بشائر الحرية
أرى المشهد الآن يتكرر مرة أخرى بكل تفاصيله ، نفس المقدمات التي أنتجت ثورة 25 يناير 2011 الملهمة تحتل الصورة بشكل واضح لكل ذي عينين ، بداية من التاسع عشر من مارس بفتنة الاستفتاء على بضع مواد من الدستور تم إهدارها ، مرورا ببث الفرقة بين قوى الثورة سواء الثوار الأصليين الذين فجروها أو تلك الحركات والجماعات التي قفزت فوق أكتافهم في محاولة إيهامنا بأنهم شركاء مؤسسون للثورة ، ثم التراخي المتعمد والمقصود في مواجهة أحداث كان لابد التعامل معها بجدية وحزم ، يتجلى ذلك في أول حادث قطع طريق في محافظة قنا لرفض مواطنيها المحافظ القبطي ثم توالت أحداث قطع الطرق بطول البلاد وعرضها نتيجة هذا التهاون المتعمد ، وتتوالى مخازي الحكام من تعظيم الانفلات الأمني لترويع الشعب ، واعتقال عشوائي ومحاكمات عسكرية للمدنيين وفضيحة كشف العذرية التي تمت في شهر مارس ولم يُكشف عنها إلا مؤخرا عندما أعلنت إحدى الحرائر رفع دعوى قضائية ضد الشرطة العسكرية ، ثم الحدث الكارثي الأهم الشهير بأحداث ماسبيرو التي كانت تدفع بوضوح إلى فتنة وحري طائفية ، لكن وعي الشعب المصري العريق بأبعاد المؤامرة خيب ظن المتآمرين وأطفأ شرارة تلك الفتنة في مهدها .
وتتوالى الأحداث بنفس الوتيرة وصولا إلى اعتقال واحد من أهم ثوار مصر وهو الناشط الثائر علاء عبد الفتاح الذي ينحدر من أسرة مناضلة عريقة في النضال ومقاومة طواغيت الحكم ويعود نشاطه في المقاومة إلى عام 2005 ثم تقديمه لمحاكمة عسكرية بعدة تهم لا يمكن أن يقوم بها إنسان طبيعي بمفرده بعضها عقوبته الإعدام – كما يرى بعض القانونيين - ، وعلى جانب آخر تأتينا أخبار شهداء السجون من ضحايا التعذيب على أيدي زبانية الداخلية الذين ما زالوا يعملون بنفس الهمة والنشاط على إهانة المصريين في كل مكان وموقع يتواجدون فيه . يتخلل كل هذه الأحداث المروعة التلاعب في محاكمة الطاغية الساقط وزبانيته وتمييعها اعتمادا على مقولة الراحل نجيب محفوظ ( آفة حارتنا النسيان ) ، ناسين أو غافلين عن حقيقة أصبحت واقعة الآن ، حقيقة أ، الشعب الغافي قد هب من ثباته واستيقظ وفتح عيونه وشحذ ذاكرته وأيقن أنه لم تعد لديه رفاهية النسيان .
ثم يأتينا المشهد الدال على عمق الغباء السياسي في قراءة الأحداث وعدم الاستفادة من درس الثورة منذ بدايتها ، ألا وهو مشهد فض الاعتصام بالقوة يوم السبت 19/11/2011 ، لقد رأيت بعيني هؤلاء المعتصمين الذين هاجمتهم جحافل الأمن المركزي الغاشمة ، كان ذلك في يوم الأحد 13/11/2011 أي قبل جمعة 18/11 المسماة ( جمعة المطلب الواحد ) بخمسة أيام ، في السادسة مساء ذلك اليوم توجهت مع أحد أصدقائي إلى الجامعة الأمريكية لحضور محاضرة عن مراقبة الانتخابات القادمة انتهت في الساعة الثامنة ، وخرجنا إلى ميدان التحرير وفي جولة سريعة شاهدنا هؤلاء المعتصمين ، كانوا موزعين على عدة نقاط في الميدان في خيام صغيرة ، بجوار خيمة صغيرة من هذه الخيام لا تستوعب أكثر من خمسة أفراد كان بعض مصابي الثورة الأوائل الذين لم يحصلوا على أبسط حقوقهم التي تركزت أساسا في الرعاية الصحية ، شاهدت شابا يستند إلى عكاز خشبي بسيط وآخر تحيط ذراعه جبيرة من الجبس وثالث تغطي عينه ضمادة وسيدة عجوز على كرسي متحرك وعدد قليل من الشباب ، بين هؤلاء جميعا يرقد على أرض الحديقة بجوار الخيمة شاب يبدو أنه اصيب بإغماءة نتيجة الإعياء بسبب إضرابه عن الطعام . هؤلاء كانوا في الميدان من الجمعة ومن قبل السبت الحزين جاء عليهم المتظاهرون يوم الجمعة وتروهم في نهايته لتشرق عليهم شمس السبت الدامي .
لهذا المشهد عدة دلالات كارثية ، أولها التربص المبيت بالمدان ، وثانيها نية واضحة لدى الداخلية في الانتقام والثأر من شعب هزمهم في الموجة الأولى للثورة ، وثالثها الإصرار على العودة إلى الشارع بنفس الصلف والجبروت الذي كان قبل السقوط . كان التربص بالميدان واضحا دون لبس ، فلم أعداد المعتصمين تتعدى المائة وهو عدد لا يحتاج إلى جيش جرار لتفريقه ، ثم نتبين نية الثأر في كم العنف والقسوة الذي تعاملوا به مع هؤلاء الضعفاء ، مما يعيد إلى الأذهان تلك الصورة المروعة التي شاهدناها في الموقعة الحزينة أيام 27 و28 يناير الفائت ، هذا يؤدي بنا إلى الدلالة الثالثة التي تؤكد لنا أن شيئا لم يتغير في التركيبة النفسية والعقيدية لدى العاملين بوزارة الداخلية من القمة إلى القاعدة ، فيتضح لنا من ممارساتهم على مدى الأشهر الماضية منذ قيام الثورة حتى الآن من غياب عن الشارع وتقاعس عن العمل داخل الأقسام والتعامي عن حالة الفوضى الأمنية التي صنعوها بأيديهم ، من كل هذا يتضح لنا أنهم مصرون على خيار واحد إما اللاعودة أو العودة بشروطهم ، إما أن يتركوا الشارع أو أن يعودوا بنفس البطش والجبروت .
ما سبق يقودنا إلى إعادة قراءة الأحداث قبل 25 يناير 2011 ، معروف من المنطق بالضرورة أن المقدمات تؤدي إلى النتائج ، وبالضرورة أيضا أن تكرار المقدمات يؤدي إلى نفس النتائج ، إن كل الأسباب التي أدت إلى قيام الموجة الأولى من الثورة نراها الآن بنفس ترتيبها السابق ، الطغيان والظلم والقهر ، كبت الحريات وقمع المتظاهرين ، الاعتقالات والمحاكمات العسكرية ، ثم يأتي نفس الغباء السياسي في التعامل مع المواقف والأحداث ببطء شديد في اتخاذ أي قرار وصدور قرارات عكس المطلوب ، ثم الإشكالية العجيبة المتمثلة في العناد مع شعب لا يطلب شيئا أكثر من ذلك المتمثل في الجملة العبقرية التي لم ولن يملّ الثوار من ترديدها ( عيش . حرية . كرامة إنسانية . عدالة اجتماعية ) ، هل هذا مطلب يشقُّ عليهم تحقيقه .
لقد كانت الطريقة الغبية في فض اعتصام عدد لا يتجاوز المائتين من مصابي الموجة الأولى للثورة هي الشرارة الني أشعلت الموجة الثانية التي تتصدر المشهد الآن ، اعتقد الطغاة أن الثوار قد استكانوا أو أفلحت معهم وسائل التخويف التي دأبوا على تصديرها لهم ، لم تغفل عيون الثوار ولن تنام أعين الجبناء ، الموجة الثانية للثورة قائمة الآن بالفعل ، الحشود الآن في كل الميادين ، الميادين الآن ملأى بالأحرار والحرائر ، الثوار في كل مكان على أرض المحروسة بهم ، إنها نفس الوجوه التي كانت في الميادين أثناء الموجة الأولى ، إنها نفس الروح التي سادت الميادين في نياير ، ومن عجب أنهم يقدمون نفس القرابين من أرواحهم وعيونهم وأجسادهم ، إن الثوار الآن بنفس الثقة والحماسة والوعي والإيمان الذي لا تحده حدود بقضيتهم ، هؤلاء الشباب يقول فيهم المفكر البريطاني " مارتن لنجستون " في صحيفة صنداي تايمز ( عندما تشاهد منظر الشباب المصري وهم يمسكون بالقنابل المسيلة للدموع في ميدان التحرير وكأنهم يلعبون الكرة ، تعرف وقتها ماذا يمكن أن يفعل هؤلاء بالعدو لو خاضوا حربا ، وتعرف كم ه عظيمة مصر ، وكم هو عجيب هذا الشعب ) ، لقد أدرك العالم حقيقة مصر والمصريين ، ومن أسف لم يدركها طواغيت الحكم فيها .
كنت أتوقع أن تأتي هذه الموجة الثانية للثورة في أعقاب الانتخابات القادمة وصولا إلى شهر يناير المقبل وأن ذروتها ستكون في يوم 25 يناير 2012 ذكرى مرور عام على الموجة الأولى لم يتحقق خلاله شيء من أهداف الثورة ، لكن الغباء الغاشم للسلطة ويقظة الثوار عجلت بالموجة الثانية التي أعتقد أنها سوف لا تنجز إلا قدرا يسيرا من مطالبها ، وهو ما سوف يؤدي إلى الموجة الثالثة في يناير المقبلوالتي سوف تكون هي نوة المكنسة التي سوف تزيح أمامها كل ما علق بالميادين من أدران الطغاة خلال الموجتين الأولى والثانية .
والآن ، اهنئي يا مصر بأبنائك الأحرار وبناتك الحرائر ، اهنئي وقري عينا بثوارك الأبطال الذن لم تغفل عيونهم ويعملون على ألا تنام أعين الجبناء ، إنها بشائر الحرية يا أمي فافرحي .
21/11/2011
