مليونيات حتى النصر
في اليوم الحادي عشر من فبراير 2011 سقط الطاغية بعد ثمانية عشر يوما من اعتصام الثوار وإصرارهم على رحيله مع نظامه الفاسد ، لكن المفارقة كانت في سقوطه دون سقوط النظام الذي أسس له على مدى ثلاثين عاما تغول أثناءها وتوغل وتغلغل في ثنايا وأعطاف الدولة وسيطر على كل مناحي الحياة ، في ذلك اليوم فرح الشعب وأسكرت نشوة الفرح ثوار التحرير فاحتفلوا بنصر لم يكتمل وأخطأوا خطأ فادحا بتركهم الميدان اكتفاء بما تحقق من رحيل الفرعون ، كان من المفترض أن يبقى الثوار في الميدان حتى تكتمل مطالب الثورة باستمرار الضغط على من تولوا زمام الأمور .
أمَا وأن الأمر قد صار إلى ما صار إليه الآن ، فعلى الثوار أن يعيدوا تعبئة الشعب وحشده إلى الميدان وكل الميادين في جميع المحافظات ، فالثورة بدأت ولم تنته بعد ، فعلى كل المستويات لم يتحقق الكثير من المطالب التي نادى بها الثوار وساندناهم فيها ، لابد من استمرار الحشد المليوني في كل جمعة ولابد من الضغط المستمر على الحكومة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي لعب دورا جيدا في إنجاح الثورة ومساندتها ، فالمجلس شريك للثوار ويجب عليه أن يفعِّل هذه المشاركة بجدية وخطوات متسارعة .
الآن على الثوار بدايةً أن يستمروا في جمعات مليونية كما ذكرنا ثم لابد أن يتوحدوا على كلمة سواء وأن ينظموا صفوفهم بدلا من تشتتهم وتفرقهم في ائتلافات واتحادات تعددت وزادت إلى حد الفرقة والاختلاف ، يجب أن يجتمعوا سويا ليكونوا مجلسا أعلى أو هيئة قيادية منهم جميعا يكون لها الحق في الحديث باسم كل الثوار على ألا يزيد عدد هذه الهيئة على عشرة أفراد فكلما زاد العدد تعددت الآراء مما يصعِّب الاتفاق على قرار ، على أن تطالب هذه الهيئة المجلس الأعلى والحكومة بتشكيل مجلس رئاسي لا يزيد على تسعة من المفكرين المدنيين والقانونيين وأحد العسكريين شريطة أن تكون الأغلبية في هذا المجلس للثوار بما لا يقل عن أربعة منهم ويتوزع باقي أعضاء المجلس بين القانونيين الدستوريين واقتصاديين وشخصية عسكرية واحدة .
لقد كانت المشكلة منذ البداية أن الثوار لم يحكموا وهذه طبيعة الثورات الشعبية ، فقد انتفض الشعب المصري بكامله ثائرا تقوده طليعة الشباب الذين هم دائما وقود الثورات وقام الجيش المصري الوطني بدوره العظيم في حماية الثورة ومساعدة الثوار على إنجاحها ، فما كان من الثوار في غمرة الفرح ونشوة النصر إلا أن تعجلوا وسلموا قيادهم له وتركوا الميدان ، ولأنه من طبيعة العسكريين المحافظة واتخاذ القرارات بتمهل وروية شديدة فق سارت الأمور على ما نراه ونشهده الآن على الساحة ، وهو ما لا يتسق ولا يتفق مع روح الثورات التي بطبيعتها تستلزم اتخاذ قرارات ثورية سريعة وقاطعة من أجل تطهير الدولة من كل ما يعتورها من فساد وقطع كل الرءوس مع اجتثاث الجذور ، فما جدوى أن تقطع رأس الشجرة وجذورها ضاربة في عمق التربة تمتد وتتشعب وتستمد غذاء جديدا لينمو لها رأس آخر أقوى وأشد ضراوة .
أعود وأكرر لابد من حشد الشعب إلى الميادين والاعتصام بها حتى يتحقق اكتمال الثورة ، فحتى الآن لم تحقق الحكومة أيا مما تعهدت به منذ أكثر من أربعة أشهر ، وأهم ما يجب المطالبة به والضغط لتحقيقه هما الأمن والاقتصاد ، فهما وتدا الخيمة الرئيسيان اللذان عليهما يقوم البناء ، فالأمن معروفة قصته وكُتب فيها الكثير ولا مناص من تطهير هذا الجهاز بسرعة وجدية ، أما عن الاقتصاد فإن ما يحدث الآن لا يقود إلا إلى الانهيار ، فتوقف عجلة الإنتاج وسقوط السياحة في هوة سحيقة هي أوضاع لا تحتملها مصر ، بينما الواقع يشير إلى زيادة الدخل من ارتفاع الضرائب وتحسن ظروف الملاحة في قناة السويس وغيرها من مصادر الدخل للدولة ، المطلوب قرارات ثورية بأيدٍ لا ترتعش كما تفيدنا جميع مصادر الأخبار الموثوق بها بأن جميع وزراء الخدمات يتقاعسون عن اتخاذ القرارات إما خوفا أو تواطؤًا .
من ناحية أخرى يجب على جميع التنظيمات السياسية والأحزاب والجماعات أن تدعو إلى خروج الشعب إلى الميادين ومؤازرة الثوار ودعمهم ومساعدتهم على حشد الجماهير وتوعيتهم بأهمية الضغط على جميع المسئولين في هذا البلد حتى تتحقق مطالب الثورة التي خرجت من أجلها هاتفة بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية ، هذه المطالب التي لم يتحقق منها إلا النزر اليسير ، فأين هذا الخبز والناس جياع والحياة الاقتصادية متوقفة والإنتاج يتناقص سواء في الصناعة أو الزراعة وقد ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى عنان السماء ، وأين هذه الحرية المخنوقة والمكبلة بالقانون العصبي الذي اتخذته الحكومة بتجريم التظاهر والاعتصام في لحظة عنترية ، ويا ليتها طبقته على من يستحقونه ، بل نجدها تتعامل معهم بيد رخوة وباليد الأخرى الباطشة تتعامل مع الثوار وأسر الشهداء ، أين هذه الحرية التي تعتقل الثوار من المادين وأمام سفارة بني صهيون ، أين تلك الحرية التي تحاكم المدنيين أمام القضاء العسكري وتحرمهم من قاضيهم الطبيعي وتفتئت على دور القضاء المدني وحقه في أداء دوره المجتمعي وهو الذي يحوز ثقة الشعب في حكمته وعدالته ، أين المطلب الثالث وهو العدالة الاجتماعية ، كيف تتحقق هذه العدالة في ظل التفاوت الرهيب في الدخول بشكل غير مبرر ، لا يمكن أن تتحقق هذه العدالة عندما يكون دخل المسئول الكبير في أي هيئة أو مؤسسة يتعدى عشرين وفي بعض الحالات خمسين ضعف دخل مرؤوسيه ، لقد حدثونا كثيرا عن الحد الأدنى للأجور ولم يجرؤوا على الخوض في أمر الحد الأقصى الذي يبتلع معظم ميزانيات هذه الهيئات والمؤسسات ويجور على حقوق الدرجات الوسطى والدنيا في السلم الوظيفي ، ويا ليتهم حققوا وعودهم بتقرير الحد الأدنى بل نجدهم قد قلصوا هذا الحد المزعوم .
ما زال أ‘داء الثورة يلعبون في الخفاء وأحيانا يعبثون علانية ويندسون بين المتظاهرين والمعتصمين الشرفاء لكي يبدو للمتابع أن هؤلاء الثوار هم سبب الفوضى التي تعم البلاد وأنهم يعطلون مصالح الناس ، إنهم يبثون في نفوس الجماهير الإحساس بالرعب حتى يكرهوا الثورة ويصيبهم اليأس فيعودوا يبكون على ما كان من استقرار مزعوم ، إن أذرع أخطبوط الفساد ما زالت تتحرك في جميع الاتجاهات لتحقيق مقولة طاغوتهم المخلوع عندما هدد بـ ( إما أنا أو الفوضى ) . لذلك أيها الثوار العظام عليكم مواصلة مشوار الثورة إلى نهايته ، عليكم أن تتصدوا بقوة وفي تحدٍ صلب لأعدائكم ، أعداء ثورتكم الفريدة والمتفردة بين ثورات العالم على مدى التاريخ ، عليكم أن تعوا جيدا بيت الشعر الملهِم لشوقي : وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا ، لن يعطيكم أحد شيئا لا تطلبوه بقوة ، ولا تتحقق الأهداف إلا بالإصرار عليها والسعي الدائم والدءوب والمستمر والضاغط بشدة .
اخرجوا غدا إلى الميادين التي رمزها يمدان التحرير ، اخرجوا إلى ميادين الدلتا ، اذهبوا إلى ميادين السويس والصعيد ، ازحفوا إلى كل ميادين مصر ، مصر التي لن تكون محروسة إلا بزحفكم واعتصامكم في مواجهة أعداء الثورة ، حافظوا على طهارة وسلمية الثورة ، كوِّنوا من بينكم مجموعات أمنية قوية لا تسمح لأحد بأن يندس بينكم ، أمِّنوا ميادينكم جيدا في المقدمات والمؤخرات والميامن والمياسر ، لا تسمحوا لأعدائكم أن يفرقوكم أو يشتتوا انتباهكم ، سدوا الثغرات بقلوبكم قبل أيديكم واثبتوا في الميادين يحرس الله بكم مصر وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم .
7/7/2011

