بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 16 يوليو 2011

مليونيات حتى النصر


مليونيات حتى النصر

في اليوم الحادي عشر من فبراير 2011 سقط الطاغية بعد ثمانية عشر يوما من اعتصام الثوار وإصرارهم على رحيله مع نظامه الفاسد ، لكن المفارقة كانت في سقوطه دون سقوط النظام الذي أسس له على مدى ثلاثين عاما تغول أثناءها وتوغل وتغلغل في ثنايا وأعطاف الدولة وسيطر على كل مناحي الحياة ، في ذلك اليوم فرح الشعب وأسكرت نشوة الفرح ثوار التحرير فاحتفلوا بنصر لم يكتمل وأخطأوا خطأ فادحا بتركهم الميدان اكتفاء بما تحقق من رحيل الفرعون ، كان من المفترض أن يبقى الثوار في الميدان حتى تكتمل مطالب الثورة باستمرار الضغط على من تولوا زمام الأمور .
أمَا وأن الأمر قد صار إلى ما صار إليه الآن ، فعلى الثوار أن يعيدوا تعبئة الشعب وحشده إلى الميدان وكل الميادين في جميع المحافظات ، فالثورة بدأت ولم تنته بعد ، فعلى كل المستويات لم يتحقق الكثير من المطالب التي نادى بها الثوار وساندناهم فيها ، لابد من استمرار الحشد المليوني في كل جمعة ولابد من الضغط المستمر على الحكومة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي لعب دورا جيدا في إنجاح الثورة ومساندتها ، فالمجلس شريك للثوار ويجب عليه أن يفعِّل هذه المشاركة بجدية وخطوات متسارعة .
الآن على الثوار بدايةً أن يستمروا في جمعات مليونية كما ذكرنا ثم لابد أن يتوحدوا على كلمة سواء وأن ينظموا صفوفهم بدلا من تشتتهم وتفرقهم في ائتلافات واتحادات تعددت وزادت إلى حد الفرقة والاختلاف ، يجب أن يجتمعوا سويا ليكونوا مجلسا أعلى أو هيئة قيادية منهم جميعا يكون لها الحق في الحديث باسم كل الثوار على ألا يزيد عدد هذه الهيئة على عشرة أفراد فكلما زاد العدد تعددت الآراء مما يصعِّب الاتفاق على قرار ، على أن تطالب هذه الهيئة المجلس الأعلى والحكومة بتشكيل مجلس رئاسي لا يزيد على تسعة من المفكرين المدنيين والقانونيين وأحد العسكريين شريطة أن تكون الأغلبية في هذا المجلس للثوار بما لا يقل عن أربعة منهم ويتوزع باقي أعضاء المجلس بين القانونيين الدستوريين واقتصاديين وشخصية عسكرية واحدة .
لقد كانت المشكلة منذ البداية أن الثوار لم يحكموا وهذه طبيعة الثورات الشعبية ، فقد انتفض الشعب المصري بكامله ثائرا تقوده طليعة الشباب الذين هم دائما وقود الثورات وقام الجيش المصري الوطني بدوره العظيم في حماية الثورة ومساعدة الثوار على إنجاحها ، فما كان من الثوار في غمرة الفرح ونشوة النصر إلا أن تعجلوا وسلموا قيادهم له وتركوا الميدان ، ولأنه من طبيعة العسكريين المحافظة واتخاذ القرارات بتمهل وروية شديدة فق سارت الأمور على ما نراه ونشهده الآن على الساحة ، وهو ما لا يتسق ولا يتفق مع روح الثورات التي بطبيعتها تستلزم اتخاذ قرارات ثورية سريعة وقاطعة من أجل تطهير الدولة من كل ما يعتورها من فساد وقطع كل الرءوس مع اجتثاث الجذور ، فما جدوى أن تقطع رأس الشجرة وجذورها ضاربة في عمق التربة تمتد وتتشعب وتستمد غذاء جديدا لينمو لها رأس آخر أقوى وأشد ضراوة .
أعود وأكرر لابد من حشد الشعب إلى الميادين والاعتصام بها حتى يتحقق اكتمال الثورة ، فحتى الآن لم تحقق الحكومة أيا مما تعهدت به منذ أكثر من أربعة أشهر ، وأهم ما يجب المطالبة به والضغط لتحقيقه هما الأمن والاقتصاد ، فهما وتدا الخيمة الرئيسيان اللذان عليهما يقوم البناء ، فالأمن معروفة قصته وكُتب فيها الكثير ولا مناص من تطهير هذا الجهاز بسرعة وجدية ، أما عن الاقتصاد فإن ما يحدث الآن لا يقود إلا إلى الانهيار ، فتوقف عجلة الإنتاج وسقوط السياحة في هوة سحيقة هي أوضاع لا تحتملها مصر ، بينما الواقع يشير إلى زيادة الدخل من ارتفاع الضرائب وتحسن ظروف الملاحة في قناة السويس وغيرها من مصادر الدخل للدولة ، المطلوب قرارات ثورية بأيدٍ لا ترتعش كما تفيدنا جميع مصادر الأخبار الموثوق بها بأن جميع وزراء الخدمات يتقاعسون عن اتخاذ القرارات إما خوفا أو تواطؤًا .
من ناحية أخرى يجب على جميع التنظيمات السياسية والأحزاب والجماعات أن تدعو إلى خروج الشعب إلى الميادين ومؤازرة الثوار ودعمهم ومساعدتهم على حشد الجماهير وتوعيتهم بأهمية الضغط على جميع المسئولين في هذا البلد حتى تتحقق مطالب الثورة التي خرجت من أجلها هاتفة بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية ، هذه المطالب التي لم يتحقق منها إلا النزر اليسير ، فأين هذا الخبز والناس جياع والحياة الاقتصادية متوقفة والإنتاج يتناقص سواء في الصناعة أو الزراعة وقد ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى عنان السماء ، وأين هذه الحرية المخنوقة والمكبلة بالقانون العصبي الذي اتخذته الحكومة بتجريم التظاهر والاعتصام في لحظة عنترية ، ويا ليتها طبقته على من يستحقونه ، بل نجدها تتعامل معهم بيد رخوة وباليد الأخرى الباطشة تتعامل مع الثوار وأسر الشهداء ، أين هذه الحرية التي تعتقل الثوار من المادين وأمام سفارة بني صهيون ، أين تلك الحرية التي تحاكم المدنيين أمام القضاء العسكري وتحرمهم من قاضيهم الطبيعي وتفتئت على دور القضاء المدني وحقه في أداء دوره المجتمعي وهو الذي يحوز ثقة الشعب في حكمته وعدالته ، أين المطلب الثالث وهو العدالة الاجتماعية ، كيف تتحقق هذه العدالة في ظل التفاوت الرهيب في الدخول بشكل غير مبرر ، لا يمكن أن تتحقق هذه العدالة عندما يكون دخل المسئول الكبير في أي هيئة أو مؤسسة يتعدى عشرين وفي بعض الحالات خمسين ضعف دخل مرؤوسيه ، لقد حدثونا كثيرا عن الحد الأدنى للأجور ولم يجرؤوا على الخوض في أمر الحد الأقصى الذي يبتلع معظم ميزانيات هذه الهيئات والمؤسسات ويجور على حقوق الدرجات الوسطى والدنيا في السلم الوظيفي ، ويا ليتهم حققوا وعودهم بتقرير الحد الأدنى بل نجدهم قد قلصوا هذا الحد المزعوم .
ما زال أ‘داء الثورة يلعبون في الخفاء وأحيانا يعبثون علانية ويندسون بين المتظاهرين والمعتصمين الشرفاء لكي يبدو للمتابع أن هؤلاء الثوار هم سبب الفوضى التي تعم البلاد وأنهم يعطلون مصالح الناس ، إنهم يبثون في نفوس الجماهير الإحساس بالرعب حتى يكرهوا الثورة ويصيبهم اليأس فيعودوا يبكون على ما كان من استقرار مزعوم ، إن أذرع أخطبوط الفساد ما زالت تتحرك في جميع الاتجاهات لتحقيق مقولة طاغوتهم المخلوع عندما هدد بـ ( إما أنا أو الفوضى ) . لذلك أيها الثوار العظام عليكم مواصلة مشوار الثورة إلى نهايته ، عليكم أن تتصدوا بقوة وفي تحدٍ صلب لأعدائكم ، أعداء ثورتكم الفريدة والمتفردة بين ثورات العالم على مدى التاريخ ، عليكم أن تعوا جيدا بيت الشعر الملهِم لشوقي : وما نيل المطالب بالتمني    ولكن تؤخذ الدنيا غلابا ، لن يعطيكم أحد شيئا لا تطلبوه بقوة ، ولا تتحقق الأهداف إلا بالإصرار عليها والسعي الدائم والدءوب والمستمر والضاغط بشدة .
اخرجوا غدا إلى الميادين التي رمزها يمدان التحرير ، اخرجوا إلى ميادين الدلتا ، اذهبوا إلى ميادين السويس والصعيد ، ازحفوا إلى كل ميادين مصر ، مصر التي لن تكون محروسة إلا بزحفكم واعتصامكم في مواجهة أعداء الثورة ، حافظوا على طهارة وسلمية الثورة ، كوِّنوا من بينكم مجموعات أمنية قوية لا تسمح لأحد بأن يندس بينكم ، أمِّنوا ميادينكم جيدا في المقدمات والمؤخرات والميامن والمياسر ، لا تسمحوا لأعدائكم أن يفرقوكم أو يشتتوا انتباهكم ، سدوا الثغرات بقلوبكم قبل أيديكم واثبتوا في الميادين يحرس الله بكم مصر وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم .
7/7/2011

الخميس، 14 يوليو 2011

دود الورق

دود الورق 
كثيرة هي أنواع الدود التي تتغذى على الأوراق ، منها الضار مثل تلك الدودة التي تتغذى على نبات القطن فتفسده وتتلف زهراته التي ينبثق منها اللوز فيقل المحصول الناتج ، وهناك أخرى تتغذى على الثمرة نفسها وتستقر بداخلها فتتسبب في أمراض كثيرة لآكليها . وعلى جانب آخر هناك دودتان جميلتان نافعتان تتغذيان على الورق فتنتجان أشياء رائعة تسر النظر والعقل ، ألا وهما دودة القز ودودة الكتب .
دودة القز هي دودة صغيرة اكتُشفت في الهند تتغذى على أوراق شجر التوت ، وظهرت في مصر في عهد محمد علي مؤسس الدولة الحديثة حيث أمر باستيراد شتلات هذه الشجرة ومعها كميات من الدود الذي يتغذى على أوراقها ، تظل هذه الدودة تأكل كميات من ورق التوت وتختزنه بداخلها ويتحول إلى شرنقة من خيوط الحرير التي يحولها الصنع المهرة فيما بعد إلى نسيج يصنعون منه أجمل الثياب والمفروشات التي تسر النظر بجمالها وليونتها .
أما دود الورق من البشر فهم أولئك القراء القرَّاؤون الذين يمضون جُّل أوقاتهم في قراءة كل ما تطاله أيدهم أو تقع عله أبصارهم من ورق مكتوب ، وحب القراءة عند هؤلاء لم يأتهم مصادفة ، إنما هو غرس منذ الصغر من أحد طريقين ، إما أن يكون وراءه دَفْعٌ من أب أو معلم يغرس في النشء حب القراءة والاطلاع أو أن يكون لديه فضول للمعرفة ، وكثير من الأحيان تكون لدى الأسرة مكتبة تثير فضول الناشئ فيحاول أن يطلع على ما فيها من كتب من باب الاستكشاف ، وقد تخدمه الصدفة فتمتد يده إلى كتاب يجذبه فيتوفر على قراءته إلى أن ينهيه حتى لو لم يستوعب مما قرأ الشيء الكثير ، ثم تتوالى محاولاته في القراءة فيتولد لديه حب وانتماء للكتاب ثم يتعاظم هذا الحب إلى أن يتحول صاحبه إلى دودة تلتهم كل ما يقع تحت يده من ورق .
أعرف أنماطا عديدة من هؤلاء الذين تحولوا من قراء إلى دود ورق ، يحكي لي صديق أن أول هدية يتلقاها في عيد ميلاده الأول أي وعمره اثنا عشر شهرا فقط كانت كتابا عن تربية النشء ، والهدية هنا رمزية أراد بها الأب أن تكون أول غرس في عقل ابنه الوليد حتى إذا نما وكبر قص عليه قصة الهدية ليوعز إليه بأهمية الكتاب وأهمية أن يقرأ ، فينشأ صاحبي محبا للقراءة فيقرأ لكبار الكتاب في مرحلة مبكرة من صباه ، حتى إذا كبر واكتمل نموه ونضج عقله يزداد تعلقه بالكتاب ويبدأ في اقتناء ما يتناسب مع ميوله مما يفتح له آفاقا واسعة يطل منها على عالم المعرفة ، ويظل تشجيع الأب له حتى يرحل عن الحياة ويستمر هو في متابعة القراءة إلى أن يتحول إلى دودة ورق . عناك أيضا صديق آخر لا أراه إلا في حالات ثلاث العمل والنوم والقراءة ، فهو لا ينقطع عن القراءة إلا في أثناء العمل أو النوم ، إنه يأكل ويقرأ ويتنقل من مكان إلى آخر ويقرأ ، ويصل به جنون القراءة إلى يضع مكتبة صغيرة في حمام بيته ، فهو لا يضيع ثانية لا يقرأ خلالها ولو كلمة .
إن هؤلاء القرائين يتحولون إلى عِلم متحرك ، إنهم بمرور الوقت يكونون قد قرأوا في شتى المجالات ، فهم كالفراشات التي تتنقل في الحدائق بين الزهور فترتشف من كل رحيق ، إنهم بالأحرى كالنحلات التي تتجول بين البساتين والمزارع فتأكل من خيرها لتطرحه عسلا مصفى فيه شفاء للعقول ، هؤلاء تجدهم يقرأون في التاريخ والجغرافيا والفلسفة والآداب والعلوم وغيرها الكثير فيتحولون إلى أشخاص موسوعيين .
ولا يغيب عنا أصحاب المكتبات العظام الذين قدموها هدايا للجامعات والمكتبات العامة من أمثال الدكتور زكي نجيب محمود والدكتور لويس عوض والدكتور مصطفى خليل رئس وزراء مصر الأسبق والأستاذ الدكتور كمال البتانونى الأستاذ بكلية العلوم بجامعة القاهرة ومن العرب المفكر الاسلامي الشاعر يوسف العظم ، هؤلاء الذين أثروا بمكتباتهم التي تحوي آلاف الكتب في شتى المعارف مكتبات الجامعات والمكتبات العامة والتي استفاد منها مئات بل آلاف الباحثين وطالبي العلم في مختلف تخصصاتهم . فهؤلاء القرَّاؤون لا يستأثرون لأنفسهم بما قرأوا بل إنهم يعملون على أن ينتفع بعلمهم كل ساعٍ للعلم وكل محب للاطلاع ، سلام على هؤلاء .
8/7/2011