بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 14 يوليو 2011

دود الورق

دود الورق 
كثيرة هي أنواع الدود التي تتغذى على الأوراق ، منها الضار مثل تلك الدودة التي تتغذى على نبات القطن فتفسده وتتلف زهراته التي ينبثق منها اللوز فيقل المحصول الناتج ، وهناك أخرى تتغذى على الثمرة نفسها وتستقر بداخلها فتتسبب في أمراض كثيرة لآكليها . وعلى جانب آخر هناك دودتان جميلتان نافعتان تتغذيان على الورق فتنتجان أشياء رائعة تسر النظر والعقل ، ألا وهما دودة القز ودودة الكتب .
دودة القز هي دودة صغيرة اكتُشفت في الهند تتغذى على أوراق شجر التوت ، وظهرت في مصر في عهد محمد علي مؤسس الدولة الحديثة حيث أمر باستيراد شتلات هذه الشجرة ومعها كميات من الدود الذي يتغذى على أوراقها ، تظل هذه الدودة تأكل كميات من ورق التوت وتختزنه بداخلها ويتحول إلى شرنقة من خيوط الحرير التي يحولها الصنع المهرة فيما بعد إلى نسيج يصنعون منه أجمل الثياب والمفروشات التي تسر النظر بجمالها وليونتها .
أما دود الورق من البشر فهم أولئك القراء القرَّاؤون الذين يمضون جُّل أوقاتهم في قراءة كل ما تطاله أيدهم أو تقع عله أبصارهم من ورق مكتوب ، وحب القراءة عند هؤلاء لم يأتهم مصادفة ، إنما هو غرس منذ الصغر من أحد طريقين ، إما أن يكون وراءه دَفْعٌ من أب أو معلم يغرس في النشء حب القراءة والاطلاع أو أن يكون لديه فضول للمعرفة ، وكثير من الأحيان تكون لدى الأسرة مكتبة تثير فضول الناشئ فيحاول أن يطلع على ما فيها من كتب من باب الاستكشاف ، وقد تخدمه الصدفة فتمتد يده إلى كتاب يجذبه فيتوفر على قراءته إلى أن ينهيه حتى لو لم يستوعب مما قرأ الشيء الكثير ، ثم تتوالى محاولاته في القراءة فيتولد لديه حب وانتماء للكتاب ثم يتعاظم هذا الحب إلى أن يتحول صاحبه إلى دودة تلتهم كل ما يقع تحت يده من ورق .
أعرف أنماطا عديدة من هؤلاء الذين تحولوا من قراء إلى دود ورق ، يحكي لي صديق أن أول هدية يتلقاها في عيد ميلاده الأول أي وعمره اثنا عشر شهرا فقط كانت كتابا عن تربية النشء ، والهدية هنا رمزية أراد بها الأب أن تكون أول غرس في عقل ابنه الوليد حتى إذا نما وكبر قص عليه قصة الهدية ليوعز إليه بأهمية الكتاب وأهمية أن يقرأ ، فينشأ صاحبي محبا للقراءة فيقرأ لكبار الكتاب في مرحلة مبكرة من صباه ، حتى إذا كبر واكتمل نموه ونضج عقله يزداد تعلقه بالكتاب ويبدأ في اقتناء ما يتناسب مع ميوله مما يفتح له آفاقا واسعة يطل منها على عالم المعرفة ، ويظل تشجيع الأب له حتى يرحل عن الحياة ويستمر هو في متابعة القراءة إلى أن يتحول إلى دودة ورق . عناك أيضا صديق آخر لا أراه إلا في حالات ثلاث العمل والنوم والقراءة ، فهو لا ينقطع عن القراءة إلا في أثناء العمل أو النوم ، إنه يأكل ويقرأ ويتنقل من مكان إلى آخر ويقرأ ، ويصل به جنون القراءة إلى يضع مكتبة صغيرة في حمام بيته ، فهو لا يضيع ثانية لا يقرأ خلالها ولو كلمة .
إن هؤلاء القرائين يتحولون إلى عِلم متحرك ، إنهم بمرور الوقت يكونون قد قرأوا في شتى المجالات ، فهم كالفراشات التي تتنقل في الحدائق بين الزهور فترتشف من كل رحيق ، إنهم بالأحرى كالنحلات التي تتجول بين البساتين والمزارع فتأكل من خيرها لتطرحه عسلا مصفى فيه شفاء للعقول ، هؤلاء تجدهم يقرأون في التاريخ والجغرافيا والفلسفة والآداب والعلوم وغيرها الكثير فيتحولون إلى أشخاص موسوعيين .
ولا يغيب عنا أصحاب المكتبات العظام الذين قدموها هدايا للجامعات والمكتبات العامة من أمثال الدكتور زكي نجيب محمود والدكتور لويس عوض والدكتور مصطفى خليل رئس وزراء مصر الأسبق والأستاذ الدكتور كمال البتانونى الأستاذ بكلية العلوم بجامعة القاهرة ومن العرب المفكر الاسلامي الشاعر يوسف العظم ، هؤلاء الذين أثروا بمكتباتهم التي تحوي آلاف الكتب في شتى المعارف مكتبات الجامعات والمكتبات العامة والتي استفاد منها مئات بل آلاف الباحثين وطالبي العلم في مختلف تخصصاتهم . فهؤلاء القرَّاؤون لا يستأثرون لأنفسهم بما قرأوا بل إنهم يعملون على أن ينتفع بعلمهم كل ساعٍ للعلم وكل محب للاطلاع ، سلام على هؤلاء .
8/7/2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق