بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 8 ديسمبر 2011

حكاية ثورة ... إلى ولدنا أحمد


حكاية ثورة
إلى ولدنا أحمد
اسمع يا ولدي ، هذا بلدك مصر ، هبت فيه ثورة عظيمة في 25 يناير من عام 2011 ، لكن دعنا نقرأ القصة معا منذ البداية ، منذ أن قام على ولاية مصر رجل ألباني أحبها ، كان هذا الرجل هو محمد علي باشا والي مصر في زمن الخلافة العثمانية عام 1805 ( بدايات القرن التاسع عشر ) ، محمد علي هو مؤسس الدولة الحديثة في مصر التي وضعها على أول طريق التقدم ، فقد اهتم بالتعليم فأنشأ المدارس الابتدائية والعليا وأرسل البعثات العلمية إلى بلاد العالم المتقدمة ، واهتم بالصناعة والزراعة والتجارة ، هذا الرجل يا ولدي أصاب وأخطأ وكان دافعه حبه لمصر ، إذ أن أهم إنجازاته على الإطلاق هو إنشاء جيش وطني من أبناء الفلاحين . لقد حكم هذا الرجل مصر لمدة ثلاثة وأربعين عاما كان جُلُّها خيرا لها وتوفي في سنة 1848 . ثم توالى أبناؤه وأحفاده على الحكم إلى أن اعتلى عرش مصر الملك فاروق الأول في عام 1936 ( العقد الرابع من القرن العشرين ) . ثارت حول فاروق أقاويل كثيرة عن فساده وظلمه وتجبره ، أصاب قليلا وأخطأ كثيرا ، واستمر حكمه حتى عام 1952 .
اسمع يا ولدي ، نحن الآن في شهر يناير من عام 1952 ، في اليوم السادس والعشرين من هذا الشهر يا ولدي احترقت القاهرة ، فقد اندلعت النيران الهائلة وأتت على سبعمائة منشأة اقتصادية حيوية خلال ساعات قليلة من هذا النهار . كان هذا الحريق يا ولدي هو القشة التي قصمت ظهر العائلة العلوية في مصر ، كان الشرارة الأولى التي أشعلت ما عُرف فيما بعد بثورة 23 يوليو 1952 . لكن قبل الحديث عن ثورات أجدادك وآبائك المصريين العظام ، دعني أقص عليك قصة ذات دلالة ومغزى ، في يوم 25 يناير 1952 حدثت في مدينة الإسماعيلية ملحمة رائعة في حب هذا الوطن ، تعلم يا ولدي أن مصر كانت ترزح تحت وطأة الاحتلال الإنجليزي لمدة سبعين عاما ذاق خلالها أجدادك كل صنوف القهر والظلم واستنزاف ثرواته ، في هذا اليوم العظيم يا ولدي رفضت قوات الشرطة إخلاء مبنى المحافظة وتسليمه للإنجليز ودارت بينهما معركة غير متكافئة دافع أثناءها أفراد الشرطة عن أرضهم ببسالة دفاعا مستميتا رغم بدائية أسلحتهم وضعفها وقلتها حتى راح منهم خمسون شهيدا وثمانون مصابا فداء لها الوطن ، هؤلاء يا ولدي خلدهم الشعب المصري وراحت مصر تحتفل بيومهم هذا كل عام حتى صار عيدا للشرطة المصرية التي ذادت عن كرامتها وحريتها .
اسمع يا ولدي ، لكي تعرف آباءك ثوار 2011 ، لابد أن تعرف منهَلَهم الذي استمدوا منه تلك الطاقة الجبارة التي استطاعوا من خلالها إسقاط أعتى طواغيت الحكم في مصر ، لن أحدثك عن أول ثورة حدثت ، فهي ضاربة في عمق تاريخنا الفرعوني ، نحن الآن يا ولدي في عام 1919 ( أوائل القرن العشرين ) ، مازالت مصر تحت الاحتلال البريطاني منذ عام 1882 ، لقد عانى أجدادك معاناة قاسية ، كان الفقر والظلم يفوق طاقة البشر ، صودرت أرزاق الفلاحين وممتلكاتهم القليلة وزراعاتهم ومحاصيلهم وتم تجنيدهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ( الحرب العالمية الأولى ) ، ساءت الأوضاع المعيشية وانتشر الجوع والبطالة والعنف ، كما تعرض العمال ونقاباتهم لمصادرة حرياتهم بسبب الأحكام العرفية التي تمنع تجمعاتهم . كان بين أجدادك العظام يا ولدي رجل زعيم بحق هو سعد باشا زغلول الذي سعى لتشكيل وفد من المصريين للدفاع عن قضية احتلال الوطن وقام بجمع توقيعات المصريين لتفويضه بالحديث باسمهم في المحافل الدولية ، لكن سلطات الاحتلال قامت باعتقاله ونفيه إلى جزيرة مالطا . كان اعتقال سعد زغلول هو المفجر لأول ثورة شعبية في تاريخ مصر الحديث ، ففي يوم 9/3/1919 أشعل طلاب جامعة القاهرة المظاهرات التي امتدت لتشمل كل طلاب مصر بما فيهم طلاب الأزهر الشريف ، وفي غضون أيام قليلة كانت الثورة تشتعل بطول البلاد وعرضها وشاركت فيها جميع فئات الشعب من عمال الترام والسكك الحديدية والبريد والكهرباء والجمارك والمطابع والورش وسائقي التاكسي والفلاحين والبدو ، وفي بلدنا الأم قام الأهالي والفلاحون بمهاجمة قطار يحمل جنودا إنجليز في ملحمة قتالية رائعة ، واعلم يا ولدي ، أن ثورة الشعب هذه لم تفشل تماما ، فبالرغم من أن الاحتلال عمل على إفشالها بالقمع والتهديد بالإعدام وإحراق القرى ، إلا أن إنجلترا اضطرت تحت الضغط الشعبي أن تحقق بعض مطالب الثوار التي تمثلت في تصريح 28/2/1922 بإلغاء الحماية البريطانية على مصر وإعلان مصر دولة مستقلة ، ثم صدور أول دستور مصري في عام 1923 تلاه تشكيل الوزارة برئاسة الثائر الأعظم سعد باشا زغلول في عام 1924 .
اسمع يا ولدي ، توالت الأيام على مصر حتى عام 1936 الذي عقدت فيه معاهدة سميث التي أعطت الاحتلال صفة شرعية ولم تحقق الاستقلال والسيادة الحقيقية ، ووصل الملك فاروق إلى عرش مصر في عام 1937 بادئا عهده بإقالة الوزارة المنتخبة عاصفا بإرادة الشعب والدستور ، في هذا الزمن يا ولدي أُعلِنت الأحكام العرفية ( المبتلى بها شعب مصر حتى يومنا هذا ) فقُيدت الحريات وفُرضت الرقابة على الصحف ( لم يكن هناك إعلام بالمعنى المعروف حاليا ) ، وتعرض الشعب لضغوط هائلة من حكامه ، وأثقل الغلاء كواهل الشباب وسد أمامهم سبل الطموح إلى مستقبل أفضل ، وانتشرت البطالة بين مختلف الفئات من العمال وخريجي الجامعات الذين كانوا يحصلون على فرصة عمل بصعوبة بالغة ، ومع الحرب العالمية الثانية بلغ الفقر مبلغه مما أدى إلى خروج المظاهرات في شوارع القاهرة بسبب ما عُرف وقتها بأزمة التموين ، بعد هذه الحرب يا ولدي تجبر الساسة على الشعب وازداد الفساد وانتشرت الرشوة وتدخلت بطانة الملك في كل مناحي الحياة وعاثوا فيها فسادا ، وكان كثير من تصرفات الملك الشخصية يؤذي مشاعر عامة الشعب ، كل هذا يا ولدي أدى إلى زيادة سخط الشعب على الاستعمار وسراي الحكم ومظاهر الفساد التي عمت البلاد وبدأ الشعب في الغليان وراح يضغط بقوة في اتجاه الحرية بالمظاهرات والإضرابات أحيانا وبأقلام الكتاب الأحرار أحيانا أخرى وبجانب هؤلاء تشكلت مجموعات ضغط أخرى .
اسمع يا ولدي ، في ذلك الوقت أيضا كانت مصر بلدا زراعيا يعتمد اقتصاده على الزراعة وتصنيع منتجاتها ، لكن خيراتها
كانت بعيدة عن أيدي زُرَّاعها وصُنَّاعها ، كان الفلاح أجيرا يزرع القمح ولا يأكله ويزرع القطن ولا يلبسه ، فالأرض يا ولدي يملكها مُلاَّكٌ كبار وكل مساحة الأرض الصالحة للزراعة يملكها عدد قليل من الباشاوات وحاشية الملك ، وبقية الشعب يتضور فقرا وجوعا . أما عن السياسة يا ولدي ، فقد كان الاستقلال هو الشغل الشاغل لأجدادك العظام ، كانوا يحملون أوراق قضيتهم ويذهبون في كل اتجاه يأملون فيه حلا ، ذهبوا إلى مجلس الأمن وذهبوا إلى شرفاء أوربا خاصة في فرنسا ، كل هذا لم يُجْدِ نفعا ، فتحرك الشعب وانفجرت المظاهرات وأضرب العمال واشتعلت مصر بالحركات الوطنية ، وتزامن هذا مع دخول مصر في حرب 1948 بعد قرار تقسيم فلسطين ( وهذه يا ولدي قصة أخرى ) التي انتهت بهزيمة الجيوش العربية ضعيفة التسليح ، أدى هذا كله يا ولدي إلى أن يركز الشعب سخطه ونقمته على الملك وحاشيته وعلى الأحزاب التي صادرت حرياته وقمعته .
اسمع يا ولدي ، كل ما سبق أدى إلى أن جمع حبُّ الوطن والرغبة في التحرر من ربقة الاستعمار وسطوة الحكام إلى أن ألَّف الله بين قلوب مجموعة من ضباط الجيش المصري الوطني الحر ، كان لهؤلاء اتجاهات وميول سياسية مختلفة لكن يجمعهم حبُّ الوطن وكراهية الاحتلال والفساد ، تزايد عدد هذه المجموعة واكتمل لها الشكل التنظيمي في عام 1950 وصدر عن هذا التنظيم أول منشور بتوقيع ( الضباط الأحرار ) ، ثم توالت منشوراتهم التي حملت أهداف الثورة الستة . كنت قد حدثتك يا ولدي في البداية عن حريق القاهرة ، ذلك الحريق المروع الذي قامت في أعقابه المظاهرات الشعبية منادية بسقوط الملك ونظامه الملكي وقد أمر الملك بنزول الجيش إلى الشوارع لقمع المظاهرات ، لكن مجموعة الضباط الأحرار الذين كان يقودهم رجل وطني تبدو عليه أمارات الزعامة والريادة الثورية ، ذلك هو الزعيم جمال عبد الناصر ، وزعوا منشورا يطالب الجيش ألا يكون أداة في يد الطاغية وأن الجيش لن يقمع الشعب لصالحه كما أكد التحام الجيش مع الشعب . في هذا الوقت لم تكن المجموعة قد حددت موعدا للثورة ، إلا أن حريق القاهرة ومحاولة الملك قمع المظاهرات وتغير الظروف السياسية بشكل سريع وعِلْم السراي بوجود تنظيم الضباط الأحرار عجل بموعد قيام الثورة .
اسمع يا ولدي ، كان الصدام حتميا بين هذه المجموعة وبين الملك ، وتأكدت حتميته عندما قرر فاروق حل مجلس إدارة نادي الضباط ، فكان أن قرر الضباط الأحرار أن يكون منتصف ليل 22-23 يوليو هو ساعة الصفر للخطة ( نصر ) . اعلم يا ولدي أن هؤلاء الضباط الثوار الأحرار قد وضعوا رقابهم على أكفهم وهم يعلمون أنهم ذاهبون إلى حتفهم إن لم يتحقق لهم النصر ، فقد قسَّموا أنفسهم لمجموعات تذهب كل منها في اتجاه ، ذهب بعضهم إلى مركز القيادة ، وآخرون إلى الإذاعة ( لم يكن هناك تليفزيون في هذا الوقت ) وسيطروا عليها وذهبت مجموعة لمحاصرة قصر الملك ، ثم أعلن أحد أبطال الضباط الأحرار ( الرئيس الشهيد فيما بعد أنور السادات ) أن الجيش المصري قد انتفض على الظلم والطغيان والفساد في أول بيان للثورة . وقد استقبل الشعب هذه الثورة بفرح وبشر وقد شعر أن الحركة ليست لصالح الجيش فقط ، بل لحسابه وصالحه أيضا ، ومن هنا انضم الشعب إلى الضباط الأحرار الذين يمثلون الجيش ، فقد كان هذا انقلابا عسكريا بطعم الثورة فآزره الشعب وأيَّده فأصبح ثورة عسكرية شعبية حررت الوطن من الاحتلال ومن فساد الطاغية .
اسمع يا ولدي ، استقرت الأمور للثوار بعد ذلك ، فقد تم طرد الاحتلال البريطاني ورحل الملك وتم إلغاء الملكية وإعلان مصر دولة جمهورية ، ثم جاء محمد نجيب كأول رئيس لمصر ولم يبق في الحكم إلا فترة وجيزة ، بعدها اعتلى جمال عبد الناصر سُدة الحكم وهو الذي يعتبر زعيما وطنيا بحق ، أصاب كثيرا وأخطأ قليلا ، وإن كانت أخطاؤه شديدة الوطء إلا أنه كان الرجل الثاني الذي أحب مصر بعد محمد علي باشا ، حققت الثورة أهم أهدافها فقد قضت على الإقطاع والاستعمار وأقامت العدالة الاجتماعية ، وفي عهد الزعيم عبد الناصر تغير وجه الحياة في مصر ، فقد تحسن التعليم إلى حد كبير والتحقت به الطبقات الفقيرة وأنشِئت الصناعات الثقيلة التي أتاحت فرص العمل لأعداد كبيرة من أبناء الشعب ، وازدهرت الفنون والثقافة ، وفي زمنه أيضا احتلت مصر مكانة رفيعة بين الأمم وخاصة في الوطن العربي . وانتقل الزعيم إلى خالقه ليجيء من بعده بطل آخر من أبطال يوليو أصاب كثيرا وأخطأ قليلا ، ذلك الرجل الثالث في سلسلة من أحبوا مصر ، إنه البطل الشهيد محمد أنور السادات ، البطل صاحب قرار حرب 6 أكتوبر 1973 ، البطل الذي عبر بمصر من هزيمة قاسية إلى نصر مؤزر استعاد به كامل تراب الوطن ، ثم كان صاحب قرار السلام الذي عصم دماء المصريين ، واعلم يا ولدي أن هؤلاء الثلاثة العظام لم يكونوا وحدهم على طريق البطولة والفداء ، بل كان معهم وحولهم أبطال آخرون يحبون هذا البلد الوطن ويقدمون له أرواحهم فداء لشعبه .
اسمع يا ولدي ، في يوم عيده يُستسهد البطل ، ويرحل عنا تاركا لنا نائبه النائبة الكبرى التي حلت علينا وعلى بلدنا ، كان ذلك في شهر أكتوبر من عام 1981 حيث اغتالت يد الغدر الرئيس محمد أنور السادات ، كان نائب الرئيس في ذلك الوقت رجل اسمه محمد حسني مبارك ، لم يكن له من دور سوى حضور لقاءات ومقابلات الرئيس الشهيد مع زعماء وقادة الدول والمسئولين العرب والأجانب ، حتى أننا يا ولدي كنا نتندر عليه بمقولة ( حسني حضر المقابلة ) وهي العبارة التي كانت تتردد على لسان الرئيس السادات كلما تم لقاء مع واحد ممن ذكرتُهم ، كان هذا الرجل هو قائد سلاح الطيران أثناء حرب أكتوبر المجيدة أحد أسلحة الجيش المصري العديدة ، يبدو أنه أبلى فيها بلاء حسنا فكافأه الرئيس الشهيد بأن عينه نائبا له ، ثم بعد انتقاله إلى بارئه تم نقل السلطة إلى نائبه حسني مبارك ، في البداية يا ولدي استبشر المصريون خيرا لما وجدوه منه ، فقد أفرج عن مباشرة عن المعتقلين السياسيين والتقى بالمثقفين من فنانين وأدباء وبعض أقطاب المعارضة ، بالإضافة إلى بعض التصريحات العاطفية مثل ( الكفن مالوش جيوب ) وغيرها من العبارات التي تلقى استحسانا وتجاوبا لدى الشعب المصري العاطفي بفطرته ، لكن يا ولدي سرعان ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .
اسمع يا ولدي ، مرت فترة قصيرة من بداية حكم الرئيس الرابع – الذي لم يكن أبدا حلقة في سلسلة الزعماء الذين أحبوا هذا البلد – في هدوء نسبي سرعان ما تحول إلى سلسلة من التخبط السياسي والاقتصادي ، فقد تحول نظام الانفتاح الاقتصادي إلى ما أُطلق عليه تندرا انفتاح السداح مداح الذي أدى إلى مجموعة من الكوارث الاقتصادية ، وتحول الاقتصاد المصري من اقتصاد إنتاجي إلى استهلاكي تجاري وعملت حكوماته المتتابعة على بيع القلاع الصناعية التي أنشأها خالد الذكر جمال عبد الناصر في ستينات القرن الماضي إلى شركات القطاع الخاص بما شاب صفقات البيع من فساد وسرقات ورشاوى ، هذا بالإضافة إلى انحدار كل مقومات الحياة الذي أدى إلى زيادة أعداد الفقراء حتى وصلت نسبتهم عند سقوطه إلى 40% من الشعب المصري ، لقد كانت فترة حكمه يا ولدي وبالا على مصر والمصريين ، فانهار التعليم إلى حد غير مسبوق ، وتدنت الخدمات الصحية حتى أن المرضى كانوا يموتون على أعتاب المستشفيات ، وانتشرت البطالة بين الشباب وارتفع سن الزواج مما أدى إلى انتشار ظاهرة العنوسة ، كل هذا يا ولدي وغيره كثير أدى إلى تدني المستوى الأخلاقي لدى الناس ، فانتشر الفساد والرشوة بين العامة، وضاقت نفوس الناس بما يحيق بهم من حكامهم فراحوا ينفسون عن غضبهم بينهم .
اسمع يا ولدي ، أما عن السياسة فحدث ولا حرج ، كان كل القصيدة كفرا ، فقد عمل الطاغية جاهدا على إهدار مكانة مصر في الداخل والخارج ، وكان لانبطاحه ورضوخه للسياسات الأمريكية والصهيونية أثره الكبير على مكانة مصر في محيطها العربي والإقليمي ، فقد سقطت هيبة مصر بين الصغار والكبار على السواء ، ولم تعد للمصري كرامة في أي مكان يذهب إليه ، كيف يكون هذا وقد أُهدرت كرامته في بلده على أيدي الطاغية وزبانيته .
اسمع يا ولدي ، لقد عمل الطاغية ما وسعه الجهد على إهدار كرامة الشعب ، فقانون الطوارئ معلن منذ احتلاله عرش مصر ، والحريات السياسية تم كبتها ، والمعارضة تم استئناسها بالترغيب أو الترهيب ، حرية الرأي والفكر أُهدرت وقُمعت ، لا حرية صحافة ولا إعلام ، لا حريات خاصة ، الجميع مراقبون ، انزوى المفكرون تاركين الساحة لصحافة وإعلام حكومي لا صنعة له إلا تمجيد الطاغية خوفا أو طمعا . ثم كانت الطامة الكبرى في بدايات التسعينات من القرن الماضي بظهور الابن الأصغر للطاغية وبزوغ نجمه ، هذا الابن الذي راح يتسلل ويغوص في الحياة السياسية دون أي سند من قانون ، راح يهيمن على الحزب الحاكم وعلى مراكز صناعة القرار بكافة الأساليب والوسائل إلى أن راوده حُلْمُ حكم مصر وبدا في الأفق ما عرف بمشروع التوريث ، توريث الحكم الجمهوري ، مشروع أراد أن يعيد مصر مرة أخرى إلى حكم ملكي غير معلن ، فكانت الفكرة وبالا عليه وعلى أبيه .
اسمع يا ولدي ، في هذه الأثناء لم تخل مصر من الوطنيين الشرفاء الأحرار ، بل كانت تزخر بكثير منهم ، كانوا يملأون الدنيا بأصواتهم وأقلامهم ، كانت مظاهرات الطلبة تخرج من الجامعات ويتم قمعهم فيعاودون الكرة ، كانت النقابات تمور بالغضب خاصة نقابات الرأي كالمحامين والصحفيين ، حتى أن القضاة قد فاض بهم الكيل وخرجوا إلى الشارع في وقفات احتجاجية غير مسبوقة في تاريخ القضاء المصري ، ولا ننسى نقابات العمال واعتصاماتهم المتكررة ، وفي عام 2004 خرجت إلى النور حركة قوية أقضت مضاجع الطغاة هي الحركة التي أطلقت على نفسها ( حركة كفاية ) كونها نساء ورجال من خيرة عقول مصر وكان على رأسها المفكر العظيم الدكتور عبد الوهاب المسيري ، وفي عام 2008 تأسست حركة شبابية أطلقت على نفسها ( حركة شباب 6 أبريل ) تزامنا مع إضراب عمال المحلة الذي كان أول عصيان مدني ثوري ضد نظام الطاغية ، هذه الحركة التي حاول الطاغية سحقها بالاعتقال والتنكيل ولم يفلح ، كانت هاتان الحركتان يا ولدي هما نواة الثورة القادمة ، وسرعان ما تحركت جموع المفكرين والمثقفين لدعمهما بالكتابة على صفحات الصحف المستقلة والحديث في برامج الفضائيات والتظاهر والاعتصام ، هؤلاء يا ولدي لم تُجْدِ معهم كل مظاهر القمع الفاجر من اعتقال وتلفيق اتهامات كاذبة وإغلاق صحف ومحطات تليفزيونية وتهميش الشباب واتهامهم بالتفاهة .
اسمع يا ولدي ، لقد كانت الانتخابات البرلمانية المزورة بوقاحة في عام 2010 بمثابة المسمار الأخير في نعش الطاغية ، فقد تم تزوير الانتخابات بشكل فج لم يعد لدى الأحرار طاقة على احتماله ، حيث حصل الحزب المنحل ( كانوا يا ولدي يدعونه الحزب الوطني الديمقراطي ولم يكن له من اسمه أي نصيب ) حصل هذا الحزب على نسبة 98% من أصوات الناخبين بالتزوير ، فما كان من الأحرار إلا أن شكلوا فيما بينهم برلمانا شعبيا فإذا بالطاغية يخرج علينا ساخرا منهم قائلا عبارته السمجة (خليهم يتسلوا) ، مما زاد من غليان الشارع والنخبة معا . لم يدرك الطاغية أنه كان كلما خرج على الناس بكلماته السخيفة فإنه يزيد من حنقهم عليه ، وأنه يسكب مزيدا من الزيت على النار الخابية تحت الرماد .
اسمع يا ولدي ، في هذه الأثناء كان شباب هذه الأمة يعاني الأمرين من التجهيل والتهميش والاتهام بالتفاهة والجهل بشئون الحياة ، كانت أفاعي الحكم ترمي الشباب بكل نقيصة ، لكن يا ولدي كان للشباب رأي آخر وسلوك مختلف ، فقد تنادوا إلى الفداء عقب اغتيال شاب في ريعان الشباب في مدينة الإسكندرية هو الفتى الطاهر خالد سعيد الذي اغتاله زبانية شرطة السلطان بيد غادرة ، لقد تنادى شباب مصر عبر الأثير من خلال شبكة الإنترنت الرهيبة أنشأوا شبكات للتواصل بينهم عبر ما يعرف بمواقع التواصل الاجتماعي ، كان الطاغية يرتع في منتجعه الخاص ناسيا أن هناك شعبا يغلي وشارعا يفور ، وكان هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وبوطنهم يعدون العدة لثورة سوف تغير وجه التاريخ في مصر والعالم ، وقد حددوا لها يوم الخامس والعشرين من يناير الذي تحول من ذكرى طيبة للفخار بشرطة ذادت عن حياض الكرامة الوطنية في وجه المحتل بمدينة الإسماعيلية إلى يوم يجسد قهر الشرطة للشعب بأمر السلطان الجائر .
اسمع يا ولدي ، لقد خرج شباب مصر عن بكرة أبيهم في كل محافظات مصر إلى ميادين الحرية وكان رمزهم ميدان التحرير بقلب القاهرة عاصمة الدنيا ، بدأت المظاهرات بوقفة من عدد محدود أمام دار القضاء العالي قلعة الحرية في وسط المدينة ، وسرعان ما تدفق الشباب إلى الميدان من كل حدب وصوب كانوا يا ولدي يحملون الزهور والورود ليهدوها إلى جلاديهم في يوم عيدهم هاتفين بلسان واحد وقلب واحد ( سلمية سلمية ) ، امتلأ الميدان وفاض ، وامتلأت ميادين الحرية في ربوع مصر بثوارها ، لكن كان للجلاد منحىً آخر ، حاول الطاغية يا ولدي أن يفرق هؤلاء الثوار العظام الذين التفت حولهم جموع الشعب من كل الفئات والطوائف ، من الأغنياء والفقراء ، المتعلمين والمثقفين والأميين ، العمال والفلاحين لحمايتهم ومؤازرتهم ، وما إن حلَّ الليل حتى هجم الزبانية على الميدان وأسقطوا عشرات الشهداء ومئات المصابين ، لم يَخَفْ الثوار ولم يرتعبوا بل زادهم التنكيل إصرارا على أن ينالوا حريتهم واستمروا في اعتصامهم رافعين سقف مطالبهم من عيش وحرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية إلى الهتاف بسقوط الطاغية ، إلى أن جاء يوم حزين في تاريخ مصر أُطلق عليه جمعة الغضب ، في هذا اليوم يا ولدي عاشت مصر حزينة وفخورة ، في هذا اليوم يا ولدي سقط شهداء الحرية بوفرة كبيرة ، في هذا اليوم يا ولدي انطفأ النور في عيون بريئة ، في هذا اليوم سقط المصابون بالآلاف ، كان هؤلاء الشباب هم مدعاة فخر لنا نحن الآباء الذين لم نتمكن من الموت معهم .
اسمع يا ولدي ، كل ما لاقاه هؤلاء الثوار من تنكيل وقتل بين صفوفهم لم يَفُتْ في عضدهم ، لم يتسرب اليأس إلى قلوبهم الخضراء ، بل استمروا في الميادين إلى أن حلَّ عليهم يوم حزين آخر في اليوم الثاني من فبراير في موقعة رهيبة أطلقنا عليها موقعة الجمل ، حيث هاجمت الثوار جحافل غاشمة من عصابات الطاغية راكبين الجمال والخيل محدثين ذعرا شديدا بين الثوار ما بين ضربهم بالسياط وإلقاء الزجاجات الحارقة عليهم وضربهم بالرصاص الحي ، وينتهي اليوم بمزيد من الشهداء والمصابين ومزيد من العزم والإصرار على استكمال ما بدأوه لتحقيق الهدف الأسمى بإسقاط الطاغية ، ويظل الثوار على ثباتهم واعتصامهم في كل ميادين الحرية في مصر ، يستمر اعتصامهم وإصرارهم رغم كل الحيل والألاعيب التي مارسها الطاغية ، لقد ظلوا في الميادين يا ولدي ثمانية عشر يوما معتصمين بحبل الله وحب الوطن واضعين نصب أعينهم دماء شهدائهم طالبين ثأرهم ولن يكون الثمن إلا سقوط الطاغية . لقد كان نشيدهم يا ولدي كلمات الثائر القديم الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي ( إذا الشعب يوما أراد الحياة .. فلابد أن يستجيب القدر ) ، وقد أراد هؤلاء الشباب ومعهم جموع الشعب الحياة فاستجاب القدر وسقط الطاغية في اليوم الثامن عشر لانطلاق ثورتهم المجيدة الموافق لليوم الحادي عشر من شهر فبراير من عام 2011 .
اسمع يا ولدي ، كان هذا هو الفصل الأول من الحكاية ، حكاية الثورة وفي يوم آخر قد أقص عليك بقية الحكاية ، وهذه كلماتي الأخيرة في هذا الفصل ، لقد ثار هؤلاء الشباب من أجل أن تحيا أنت وجيلك حياة حرة كريمة ، عندما تكبر يا ولدي وتشب عن الطوق وتفهم وتعي هذه الحكاية ، سيكون وجه العالم قد تغير بسبب هذه الثورة المجيدة ، سوف تُدَرَّس هذه الثورة في معاهد العالم كما تُدَرَّس الآن حرب أكتوبر العظيمة في المعاهد العسكرية حول العالم . افخر يا ولدي ببلدك واعتز بآبائك الثوار ما وسعك الفخار .
6/12/2011
ملحوظة :
أنصحك يا ولدي أن تقرأ تاريخ بلدك جيدا ، ما كتبته تلخيص قد يكون مخلا بكل معاني العزة والكرامة في هذا البلد .. عليك يا ولدي أن ترجع إلى كتب التاريخ لتعرف كم هي عظيمة بلادك ولتعرف كم هم عظماء أجدادك وآباؤك .. لتعرف كم فعلوا وماذا قدموا لك لتحيا حياة حرة كريمة ...

الأربعاء، 23 نوفمبر 2011

بشائر الحرية



بشائر الحرية
أرى المشهد الآن يتكرر مرة أخرى بكل تفاصيله ، نفس المقدمات التي أنتجت ثورة 25 يناير 2011 الملهمة تحتل الصورة بشكل واضح لكل ذي عينين ، بداية من التاسع عشر من مارس بفتنة الاستفتاء على بضع مواد من الدستور تم إهدارها ، مرورا ببث الفرقة بين قوى الثورة سواء الثوار الأصليين الذين فجروها أو تلك الحركات والجماعات التي قفزت فوق أكتافهم في محاولة إيهامنا بأنهم شركاء مؤسسون للثورة ، ثم التراخي المتعمد والمقصود في مواجهة أحداث كان لابد التعامل معها بجدية وحزم ، يتجلى ذلك في أول حادث قطع طريق في محافظة قنا لرفض مواطنيها المحافظ القبطي ثم توالت أحداث قطع الطرق بطول البلاد وعرضها نتيجة هذا التهاون المتعمد ، وتتوالى مخازي الحكام من تعظيم الانفلات الأمني لترويع الشعب ، واعتقال عشوائي ومحاكمات عسكرية للمدنيين وفضيحة كشف العذرية التي تمت في شهر مارس ولم يُكشف عنها إلا مؤخرا عندما أعلنت إحدى الحرائر رفع دعوى قضائية ضد الشرطة العسكرية ، ثم الحدث الكارثي الأهم الشهير بأحداث ماسبيرو التي كانت تدفع بوضوح إلى فتنة وحري طائفية ، لكن وعي الشعب المصري العريق بأبعاد المؤامرة خيب ظن المتآمرين وأطفأ شرارة تلك الفتنة في مهدها .
وتتوالى الأحداث بنفس الوتيرة وصولا إلى اعتقال واحد من أهم ثوار مصر وهو الناشط الثائر علاء عبد الفتاح الذي ينحدر من أسرة مناضلة عريقة في النضال ومقاومة طواغيت الحكم ويعود نشاطه في المقاومة إلى عام 2005 ثم تقديمه لمحاكمة عسكرية بعدة تهم لا يمكن أن يقوم بها إنسان طبيعي بمفرده بعضها عقوبته الإعدام – كما يرى بعض القانونيين - ، وعلى جانب آخر تأتينا أخبار شهداء السجون من ضحايا التعذيب على أيدي زبانية الداخلية الذين ما زالوا يعملون بنفس الهمة والنشاط على إهانة المصريين في كل مكان وموقع يتواجدون فيه . يتخلل كل هذه الأحداث المروعة التلاعب في محاكمة الطاغية الساقط وزبانيته وتمييعها اعتمادا على مقولة الراحل نجيب محفوظ ( آفة حارتنا النسيان ) ، ناسين أو غافلين عن حقيقة أصبحت واقعة الآن ، حقيقة أ، الشعب الغافي قد هب من ثباته واستيقظ وفتح عيونه وشحذ ذاكرته وأيقن أنه لم تعد لديه رفاهية النسيان .
ثم يأتينا المشهد الدال على عمق الغباء السياسي في قراءة الأحداث وعدم الاستفادة من درس الثورة منذ بدايتها ، ألا وهو مشهد فض الاعتصام بالقوة يوم السبت 19/11/2011 ، لقد رأيت بعيني هؤلاء المعتصمين الذين هاجمتهم جحافل الأمن المركزي الغاشمة ، كان ذلك في يوم الأحد 13/11/2011 أي قبل جمعة 18/11 المسماة ( جمعة المطلب الواحد ) بخمسة أيام ، في السادسة مساء ذلك اليوم توجهت مع أحد أصدقائي إلى الجامعة الأمريكية لحضور محاضرة عن مراقبة الانتخابات القادمة انتهت في الساعة الثامنة ، وخرجنا إلى ميدان التحرير وفي جولة سريعة شاهدنا هؤلاء المعتصمين ، كانوا موزعين على عدة نقاط في الميدان في خيام صغيرة ، بجوار خيمة صغيرة من هذه الخيام لا تستوعب أكثر من خمسة أفراد كان بعض مصابي الثورة الأوائل الذين لم يحصلوا على أبسط حقوقهم التي تركزت أساسا في الرعاية الصحية ، شاهدت شابا يستند إلى عكاز خشبي بسيط وآخر تحيط ذراعه جبيرة من الجبس وثالث تغطي عينه ضمادة وسيدة عجوز على كرسي متحرك وعدد قليل من الشباب ، بين هؤلاء جميعا يرقد على أرض الحديقة بجوار الخيمة شاب يبدو أنه اصيب بإغماءة نتيجة الإعياء بسبب إضرابه عن الطعام . هؤلاء كانوا في الميدان من الجمعة ومن قبل السبت الحزين جاء عليهم المتظاهرون يوم الجمعة وتروهم في نهايته لتشرق عليهم شمس السبت الدامي .
لهذا المشهد عدة دلالات كارثية ، أولها التربص المبيت بالمدان ، وثانيها نية واضحة لدى الداخلية في الانتقام والثأر من شعب هزمهم في الموجة الأولى للثورة ، وثالثها الإصرار على العودة إلى الشارع بنفس الصلف والجبروت الذي كان قبل السقوط . كان التربص بالميدان واضحا دون لبس ، فلم أعداد المعتصمين تتعدى المائة وهو عدد لا يحتاج إلى جيش جرار لتفريقه ، ثم نتبين نية الثأر في كم العنف والقسوة الذي تعاملوا به مع هؤلاء الضعفاء ، مما يعيد إلى الأذهان تلك الصورة المروعة التي شاهدناها في الموقعة الحزينة أيام 27 و28 يناير الفائت ، هذا يؤدي بنا إلى الدلالة الثالثة التي تؤكد لنا أن شيئا لم يتغير في التركيبة النفسية والعقيدية لدى العاملين بوزارة الداخلية من القمة إلى القاعدة ، فيتضح لنا من ممارساتهم على مدى الأشهر الماضية منذ قيام الثورة حتى الآن من غياب عن الشارع وتقاعس عن العمل داخل الأقسام والتعامي عن حالة الفوضى الأمنية التي صنعوها بأيديهم ، من كل هذا يتضح لنا أنهم مصرون على خيار واحد إما اللاعودة أو العودة بشروطهم ، إما أن يتركوا الشارع أو أن يعودوا بنفس البطش والجبروت .
ما سبق يقودنا إلى إعادة قراءة الأحداث قبل 25 يناير 2011 ، معروف من المنطق بالضرورة أن المقدمات تؤدي إلى النتائج ، وبالضرورة أيضا أن تكرار المقدمات يؤدي إلى نفس النتائج ، إن كل الأسباب التي أدت إلى قيام الموجة الأولى من الثورة نراها الآن بنفس ترتيبها السابق ، الطغيان والظلم والقهر ، كبت الحريات وقمع المتظاهرين ، الاعتقالات والمحاكمات العسكرية ، ثم يأتي نفس الغباء السياسي في التعامل مع المواقف والأحداث ببطء شديد في اتخاذ أي قرار وصدور قرارات عكس المطلوب ، ثم الإشكالية العجيبة المتمثلة في العناد مع شعب لا يطلب شيئا أكثر من ذلك المتمثل في الجملة العبقرية التي لم ولن يملّ الثوار من ترديدها ( عيش . حرية . كرامة إنسانية . عدالة اجتماعية ) ، هل هذا مطلب يشقُّ عليهم تحقيقه .
لقد كانت الطريقة الغبية في فض اعتصام عدد لا يتجاوز المائتين من مصابي الموجة الأولى للثورة هي الشرارة الني أشعلت الموجة الثانية التي تتصدر المشهد الآن ، اعتقد الطغاة أن الثوار قد استكانوا أو أفلحت معهم وسائل التخويف التي دأبوا على تصديرها لهم ، لم تغفل عيون الثوار ولن تنام أعين الجبناء ، الموجة الثانية للثورة قائمة الآن بالفعل ، الحشود الآن في كل الميادين ، الميادين الآن ملأى بالأحرار والحرائر ، الثوار في كل مكان على أرض المحروسة بهم ، إنها نفس الوجوه التي كانت في الميادين أثناء الموجة الأولى ، إنها نفس الروح التي سادت الميادين في نياير ، ومن عجب أنهم يقدمون نفس القرابين من أرواحهم وعيونهم وأجسادهم ، إن الثوار الآن بنفس الثقة والحماسة والوعي والإيمان الذي لا تحده حدود بقضيتهم ، هؤلاء الشباب يقول فيهم المفكر البريطاني " مارتن لنجستون " في صحيفة صنداي تايمز ( عندما تشاهد منظر الشباب المصري وهم يمسكون بالقنابل المسيلة للدموع في ميدان التحرير وكأنهم يلعبون الكرة ، تعرف وقتها ماذا يمكن أن يفعل هؤلاء بالعدو لو خاضوا حربا ، وتعرف كم ه عظيمة مصر ، وكم هو عجيب هذا الشعب ) ، لقد أدرك العالم حقيقة مصر والمصريين ، ومن أسف لم يدركها طواغيت الحكم فيها .
كنت أتوقع أن تأتي هذه الموجة الثانية للثورة في أعقاب الانتخابات القادمة وصولا إلى شهر يناير المقبل وأن ذروتها ستكون في يوم 25 يناير 2012 ذكرى مرور عام على الموجة الأولى لم يتحقق خلاله شيء من أهداف الثورة ، لكن الغباء الغاشم للسلطة ويقظة الثوار عجلت بالموجة الثانية التي أعتقد أنها سوف لا تنجز إلا قدرا يسيرا من مطالبها ، وهو ما سوف يؤدي إلى الموجة الثالثة في يناير المقبلوالتي سوف تكون هي نوة المكنسة التي سوف تزيح أمامها كل ما علق بالميادين من أدران الطغاة خلال الموجتين الأولى والثانية .
والآن ، اهنئي يا مصر بأبنائك الأحرار وبناتك الحرائر ، اهنئي وقري عينا بثوارك الأبطال الذن لم تغفل عيونهم ويعملون على ألا تنام أعين الجبناء ، إنها بشائر الحرية يا أمي فافرحي .
21/11/2011

الاثنين، 24 أكتوبر 2011

خذلونا .. لكننا أقوياء



خذلونا .. لكننا أقوياء
قامت ثورة 25 يناير 2011 الفتية كما نعلم على أيدي شباب مصر الطاهر وساندهم الشعب العظيم بكل قوته ، حتى تمكنوا من إسقاط الطاغية عن عرش مصر بمؤازرة القوات المسلحة التي هتف الثوار بعبارة صادقة أن الجيش والشعب يد واحدة واثقون في هذا الوقت أو قل راجون أن يعمل المجلس العسكري بكل طاقته على نجاح ثورتهم والوصول بها إلى بر آمن يحقق أهدافها في الحرية وكرامة الإنسان ، لكن بعدها جرت الرياح بما لا تشتهي سفينة الثورة .
لقد خذلنا الجميع ، وأول من خذلنا كان المجلس العسكري بداية بخدعة 19 مارس 2011 من خلال استفتاء الشعب على تسع مواد وإضافة اثنتين ، قالت الأغلبية نعم والأقلية لا ، وبغض النظر عن الأسباب وراء من قالوا نعم أو من قالوا لا ، فقد أهدر المجلس العسكري كل الأصوات بخروجه علينا بالإعلان الدستوري الذي تضمن اثنتين وستين مادة ، وينص في مادته الثامنة منه على الحرية الشخصية التي لا يقيدها إلا النيابة العامة والقضاء وفي المادة التاسعة على حفظ كرامة المقبوض عليه وعدم جواز إيذائه بدنيا أو معنويا أو حبسه في غير الأماكن القانونية ، وفي المادة الثالثة عشر ينص على حرية الصحافة والطباعة والنشر وحظر الرقابة على الصحف أو إنذارها أو وقفها بغير الطرق القانونية والقضائية ، هذا بالإضافة لعدد آخر من المواد يكفل للمواطن كافة الحريات وذلك في المواد من 14 إلى 24 . وينص في المادة 41 على أن تبدأ إجراءات انتخابات البرلمان بمجلسيه خلال ستة أشهر من تاريخ الإعلان ، كما جاء في المادة 55 أن الشرطة هيئة مدنية تؤدي واجبها في خدمة الشعب وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن ، وفي المادة 57 يتولى مجلس الوزراء والوزراء السلطة التنفيذية كل فيما يخصه . ودون الخوض في تفاصيل ما جرى خلال الفترة المنصرمة والتي نعرفها جميعا منذ تاريخ هذا الإعلان في آخر مارس 2011 حتى الآن ، فإننا بقراءة سريعة للأحداث لا نجد شيئا منها قد تحقق ، فمازال القبض العشوائي على المواطنين وإهدار كرامتهم وإيذاؤهم بدنيا ومعنويا ، والحجر على حرية الرأي والرقابة على الإعلام والمحاكمات العسكرية بعيدا عن القضاء الطبيعي ، ناهيك عن غياب الأمن وشكل الحالة الأمنية في البلاد ، وقد مر سبعة أشهر ولم تبدأ انتخابات البرلمان بعد ولم يتحقق شيء مما جاء في الإعلان الدستوري بكليته ، هل بعد هذا خذلان .
أيضا خذلتنا النخبة السياسية المتشرذمة بسعيها لاقتسام الكعكة النيئة التي لم تطب بعد ، نراهم يتناحرون ويتصارعون من أجل الحصول على شخصية بعيدة تماما عن الصالح العام وعن صالح الوطن ، يحدث هذا رغم أن الغالبية العظمى منهم كانوا قد قفزوا على أكتاف الثورة ولم يشاركوا أبدا منذ بدايتها ، وواقع الأمر أنهم عملوا بمقولة قوم موسى [ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ] ، وما إن قاتل الثوار ومناصروهم وانتصروا بإسقاط الفرعون حتى قفز هؤلاء على أكتافهم طالبين أنصبتهم ، جميعهم من اليمين إلى اليسار ، من الداعين إلى الدولة المدنية إلى الداعين للدولة الدينية ، كلهم خذلونا بفرقتهم وإعلاء المصالح الخاصة على صالح الجموع ، ولكن هيهات فقد قال رب العزة ردا على أتباع موسى [ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ] ، والله صادق فيما قال . سيخذلهم الله كما خذلونا .
خذلنا الثوار بتفرقهم وتشتتهم وانفراط عقدهم ، فقد آل بهم الحال إلى تحالفات وائتلافات ضعيفة ومفككة وقد وصل عدد هذه الائتلافات إلى ما يربو على مائة وعشرين فرقة فرَّقتْهم ولم تجمعهم ، لقد تحول معظمهم إلى نجوم على شاشات الفضائيات يخوِّن بعضُهم بعض ، وأصبحت الثورة مصدرا للرزق لكثير منهم بعد أن استقطبتهم الشاشات للعمل كمذيعين بها ، نسي هؤلاء طموحهم العام الحقيقي في نقل هذا البلد الطيب إلى مستقبل أفضل على أيديهم واتجهوا لتحقيق طموحاتهم الخاصة وأحلامهم في النجومية والشهرة وتركوا من سندوا ظهورهم في أيام المجد الثمانية عشر ينزلون إلى الميادين بدونهم وكثيرا ما أعلن معظم هذه الائتلافات عدم النزول إلى الميادين وتخليهم عن جموع الشعب . خذلونا ، أليس كذلك .
خذلنا الإعلام الرسمي والخاص ، فما زال الإعلام الرسمي يرتكب نفس الخطايا التي كان يقترفها في الزمن الساقط زمن الطاغية المخلوع ، ما زلنا نستمع إلى نفس الخطاب المضلل والأكاذيب والنفاق ، ما زالت صورة صفوت الشريف وأنس الفقي تطل علينا مسيطرة على المشهد ، لم يتخلص إعلاميو السلطان من ريائهم وضعفهم رغم تذرعهم بأعذار واهية باهتة مثل عقولهم . لقد خذلنا أيضا الإعلام الخاص باستثناءات محدودة جدا تكاد تختفي بين كم التفاهة والرياء والضعف ، نجد كل الشاشات وقد عاد إليها أقطاب الزمن الساقط ، جميعهم يستضيفون أذناب الحزب المنحل وتجار آلام الوطن ، يا للخذلان .
بعد كل هذا الخذلان ، هل من أمل ؟ ، هل ما زلنا متفائلين ؟ ، أقول نعم لم يفت الوقت بعد ، رغم كل من خذلونا فإن هناك كثيرين ما زالوا قابضين على الجمر ، جمر الثورة المتقد ، ومادام الجمر ملتهبا سنظل ننفخ فيه ، ولو تحول رمادا فتحت الرماد نار تزل قابلة للاشتعال كلما نفخنا فيه ، فما ضاع حق وراءه مطالب ، ومن حقنا أن نفرح بثورتنا ، من حقنا وواجبنا أن نسعى جاهدين وبكل ما أوتينا من قوة وحيلة إلى تحقيق أهداف ثورتنا ، من حقنا أن نستعيد دماء شهدائنا الذين قدموا حياتهم فداءً لحياتنا وأن نحيى حياتنا بكرامة ، ومن حقنا وواجبنا أن نقتص لأبنائنا الأحياء الذين فقدوا أجزاء عزيزة من أجسامهم . ما ضاع حق وراءه مطالب ولا نامت أعين الجبناء ، فنحن ما زلنا أقوياء بحب هذا البلد .
23/10/201
1

الأحد، 9 أكتوبر 2011

مع الأقباط


مع الأقباط
عندما منعت الحكومة الهولندية بناء المآذن . وعندما منعت الحكومة الفرنسية الحجاب في الأماكن العامة. عندما أساء الغرب للمسلمين في بلادهم ماذا كان رد فعل المسلمين ، لقد هجنا نحن المسلمون غضبا وسبا ولعنا للغرب الكافر الذي يمنع المسلمين من أداء شعائرهم ، برغم أن هذا الغرب يفعل هذا بناءً على عقائده هو وعلى أساس أنه غير ملزم بتبني عقائد غيره . فالأصل في الدين أن تعتبر دينك هو الأصح والآخر خطأ . وإذا لم يعتقد المؤمن بدين ما هذا الاعتقاد فهو غير مؤمن بدينه أيا كان هذا الدين.
أحيلك إلى قصة الخليفة العادل الفاروق عمر بن الخطاب عندما ذهب إلى بيت المقدس ، يعرف كل مسلم مطلع على تاريخه أن الفاروق عمر رفض الصلاة داخل الكنيسة ، لماذا ؟ ، لأن الفاروق كان يقدر أنه إذا فعل هذا فسوف تصبح سنة يستنها المسلمون من بعده ، لقد أبرم الخليفة العادل اتفاقا مع بطريرك الكنيسة الأرثوذكسي صفرونيوس الدمشقي اتفاقا جاء في قسم منه [ بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ولا يُكرهون على دينهم ولا يُضار أحد منهم، وعلى أهل إيلياء أن يُعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن ] . وأرى أن الجزية الآن لم يصبح لها نفس الحجية التي كانت لها في زمن عمر بن الخطاب ، ذلك أن الأقباط الآن أصبحوا يؤدون ما يؤدي المسلمون من واجبات حيث يتم تجنيدهم في الجيوش ويدفعون الضرائب التي يلتزم بها كافة مواطني الدولة ويقومون بما يقوم به المسلمون .
الآن نجد المتطرفين منا يقومون بهدم وحرق الكنائس وإيذاء أصحابها بدعوى أنهم من الكفار ، حتى أن عدد الكنائس التي تم هدمها منذ يناير 2011 حتى الآن حوالي سبع كنائس بالإضافة إلى عدد من القتلى بين المسيحيين ناهيك عن عدد المصابين ، بل لقد وصل الأمر إلى ادعاء إقامة الحدود عليهم فنعرف مثلا أن أحد المعاتيه قام بقطع أذن نصراني في مشاجرة لمجرد أنه مسيحي وغيرها كثير من الحوادث التي نقرأ عنها ونشاهد أحداثها على الشاشات ، هل هذا مما يُعقل ، هل من الطبيعي حتى لو سلمنا بإقامة الحدود أن يقيم الحدود آحاد الناس ، أين مسئولية أولي الأمر، إذا أقام المسيحيون كنيسة غير مرخصة كما يدعي البعض ويكذب المسئول الحكومي ، فهل من الحق والعدل أن يقوم الآحاد بهدمها بهذه الدعوى .
يقول المتشددون – لن أقول المتطرفون – أن الكنائس يتم داخلها شحن المسيحيين ضد الإسلام والمسلمين ، ويدعون أنهم أصحاب البلد الأصليين ، أعتقد أن هذا يحدث بالفعل ، لكن لماذا ؟ ، لقد دفعناهم دفعا إلى هذا ، فهم على مدار العقود الأربعة الأخيرة يتعرضون لكثير من العنت من السلفيين والإخوان المسلمين وغيرهم حتى من غير المتطرفين من الذين لا هم لهم إلا سب المسيحيين والتحريض عليهم في الشوارع والمساجد ، ألا يدفعهم هذا إلى الصراخ من شدة الألم ، هلاَّ من حقهم الشعور بالضيق والتوجع والعمل على تخفيف شدة الوجع ولو بالصراخ . لماذا نغضب إذا منع الفرنسيون الحجاب في بلادهم النصرانية. ولا نغضب للإساءة إلى شركائنا في البلد . أليسوا بالفعل أسبق منا في هذا الوطن. لا أقول أنهم أصحابه الأصليون ، هذا قولهم من شدة ضيقهم . ولكن إذا قالوا هذا فلا يجب أن نذبحهم بقولهم .
أذكر عندما كان عمري حوالي 6 سنوات كانت أمي مريضة وأثناء مرضها أصابتني علة الحصبة . فمن الذي ذهب بي إلى الطبيب ورعاني ، إنها " الست " أم ميشيل جارتنا. سهرت بي ليالي تطببني وتعطيني الدواء في بيتها حيث كان أبناؤها كبارا ولا تخشى عليهم من العدوى ، ومما أذكر أيضا أننا كنا نسكن فيما يشبه الكومباود الآن ، كان هذا التجمع السكني الكبير يضم بين جنباته خليطا رائعا من الأسر أستطيع أن أحصيها الآن فما زلت أتذكرهم جميعا ، كانت عمارتنا لمالك مسلم ويسكن بها أربع أسر من المسيحيين ، وكان المنزل المقابل لنا به ثلاث أسر منهم واحدة مسيحية ، وهكذا كانت كل بيوت هذا المجمع خليط متداخل من الأسر المسلمة والمسيحية ، كانت أواصر المحبة تجمع بينهم جميعا ، ولا يكفي المقام هنا لسرد حكايات جميلة عشناها في هذا الزمن الرائع الخالي من التعصب المليء بالحب . هذه هي مصر الحقيقية التي لا يستطيع أحد الفصل فيها بين مسلم أو مسيحي ، لأنك أبدا لن تجد مسيحيا منعزلا في جيتو أو مسيحيون ينفردون بأنفسهم في أحياء تجمعهم كما كان الحال بالنسبة لليهود الذين لا يخلو حي من الأحياء أو مدينة مصرية من حارة أو حي يسمى ( حارة اليهود ) فليس في مصر حي النصارى ولن يكون ، ستظل مصر دائما تنعم بهذا التداخل المتناغم الذي يجعل الصورة بهية ضاحكة رغم أنف الكارهين .
9/10/2011

السبت، 1 أكتوبر 2011

ثمانية عشر يوما أخرى


ثمانية عشر يوما أخرى
هب الشعب المصري في الخامس والعشرين من يناير 2011 خلف شبابه الثائرين على الظلم والقهر والقمع وكبت الحريات والفقر وغياب العدالة الاجتماعية التي لخصوها في جملة بديعة عندما قالوا : ( عيش – حرية – عدالة اجتماعية – كرامة إنسانية ) ، وقد انقضى ثمانية أشهر منذ بداية الثورة حتى الآن ، فهل تحقق هدف واحد من هذه الأهداف .
إن ما تحقق خلال هذه الفترة لا يعدو كونه بعض المسكنات ، وفي البداية لم يكن يتحقق أي مطلب من مطالب الثورة إلا بضغط التظاهر وحشد المليونيات في ميادين مصر وكان القائمون على الأمر سواء الحكومة أو المجلس العسكري – لا أحب تسميته المجلس الأعلى للقوات المسلحة – يحسبون حساب هذه التظاهرات فيقدمون على تنفيذ أحد هذه المطالب تحسبا لما قد يجره عليهم عدم التنفيذ من غضب الثوار .
بيد أنه بمرور الوقت بدأ الحكام في التراجع والعودة إلى سيرة الأوائل عملا بمبدأ قد أعطيناكم حرية الصراخ فاصرخوا بما أوتيتم من قوة وابحثوا عمن يسمع صراخكم فأنتم تصرخون في البرية . فالشعب يئن ويصرخ ولا من مجيب . كم صرخ الثوار ؟ كم هتفوا لا نريد حكاما من بقايا النظام الساقط ، وكلما علا الصراخ تأتي الإجابة فرض رمز من رموز الماضي العفن سواء في الوزارة أو الجامعات أو المحافظات وكل قطاعات الوطن الجريح ، الوطن يتلوى ألما وهم يفرضون حكم الطوارئ ، الوطن يتوجع وهم يفرضون الرقابة على الإعلام ويسدون المنافذ ، يهاجمون مقار الفضائيات لإغلاقها وما لم يتم غلقه يكممون أفواه مذيعيه ، وما فرار بلال فضل ومحمود سعد بجلدهم من قناتهم التي قامت على أكتافهم ببعيد ، وما مصادرة ثلاث صحف ومنعها من النشر إلا نكوص وتراجع خطوات إلى الخلف .
لقد خرجت في الفترة الأخيرة ثلاث مليونيات رفعت شعارات ومطالب ، كانت المظاهرة تبدأ نهارا وتنتهي ليلا وتشرق شمس اليوم التالي على لا شيء ويظهر الماء سرابا ، فقد أدرك السادة أن الشعب والثوار يكتفون بحق الصراخ في الميادين وعلى الشاشات وبعد أن تضيع أصواتهم هباء أدراج الرياح يعودون إلى بيوتهم خائري القوى مبحوحة أصواتهم مكسورة نفوسهم يعاودون الكرة الجمعة بعد الجمعة ولا من مجيب ، بل يزداد العنت والعناد بإصدار قرارات جديدة يعلمون تماما أنها مرفوضة ، ولكن لأنهم يعرفون أن رد الفعل سيكون مليونية ثم عودة إلى البيوت والشاشات فإنهم في غيهم ماضون .
لقد حققت الموجة الأولى من الثورة خلال الثمانية عشر يوما المجيدة الإطاحة بقمة جبل الجليد فقط وكانت هي الموجة الأقوى التي حققت الهدف الأسهل ، فالجزء العلوي من أي بناء هو الأضعف دائما وهو أول ما ينهار إذا وقع الزلزال ، ويبقى الأساس الأصعب الذي يضرب بجذوره في عمق الأرض والذي يحتاج إلى قوة أكبر لإزالته من تلك الهزة التي أطاحت بقمته .
يا ثوار مصر انتبهوا ، لقد أخطأنا حين فرحنا بإزالة قمة الجبل في البداية ، لقد أخطأنا حين غادرنا الميادين في 12 فبراير بعد خلع الطاغية ، ظننا أننا قد كسبنا معركتنا وأن الثورة قد نجحت وآتت أُكُلَها ، لم هذا نتيجة غبائنا بقدر ما كان عنوانا لطهرنا وحسن ظننا بمن أوكلناهم حماية ظهورنا ، وبعد أن ظننا أن الأمل قد لاح في الأفق ، فإذا بحماة الوطن يخنقونه ويخنقونا . لم تعد تجدي أيها الثوار حماة مصر الحقيقيين تلك المظاهرات المليونية في كل جمعة ، فقد استنام الحكام إلى نتائجها التي لم تعد تلمس أوتار حسهم الوطني .
ثوروا يا حماة الوطن وأصحابه الأصليين ، عودوا إلى الميادين في موجة ثانية من موجات الثورة العظيمة ، عودوا إلى الميادين وتغادروها قبل تحقيق مطالب مصر الحبيبة ، مصر تحتاج منكم ثمانية عشر يوما أخرى .
1/10/2011

الأحد، 7 أغسطس 2011

الشاعر د. حسن فتح الباب ناقدا


أكتب اليوم عن أستاذي الشاعر الدكتور حسن فتح الباب في قراءة لكتابه الجديد تحت الطبع ( الحرية والحب في الشعر العالمي والعربي )
الشاعر الدكتور حسن فتح الباب ناقدا
للشاعر الدكتور حسن فتح الباب عشرات الدواوين الشعرية التي أودعها تجربته الحياتية وخلاصة العمر ، وهو أحد أهم رواد الشعر الحديث المعروف بالشعر الحر أو شعر التفعيلة ، لقد أضاف الشاعر د. حسن فتح الباب غرضا جديدا إلى أغراض الشعر العربي الموروثة منذ الشعر الجاهلي حتى الآن ، ألا وهو كتابة السيرة الذاتية شعرا ، ففي ديوانه ( حارة المجدلي ) يقول في المقدمة : (هذه صفحات من سيرة حياتي في مرحلة الطفولة والشباب الباكر ، لا أطمح إلى أن أبلغ بها المكانة التي بلغها جوركي العظيم بكتابه " طفولتي " ، ولا غيره من أصحاب السير الذاتية الذين خلدهم التاريخ مثل القديس أوغسطين في اعترافاته وجان جاك روسو في " اعترافات فتى العصر " ، وابن خلدون الذي أرخ لطرف من حياته في مقدمته الشهيرة ، والإمام الغزالي في رحلته بين الإيمان والشك والتي سماها (" المرشد من الضلال "). ويذكر في المقدمة أيضا أسماء كثيرين ممن سطروا سيرتهم الذاتية مثل طه حسين وأحمد أمين وتوفيق الحكيم والعقاد ولويس عوض وسلامة موسى وغيرهم ، ونلاحظ هنا أن كل هؤلاء الكتاب الكبار ليس من بينهم شاعر واحد ، فهم كتاب نثريون منهم كاتب عالمي وقديس وفيلسوف وعالم دين وروائيون وصحفيون ، ويقف متفردا بينهم الشاعر د. حسن فتح الباب لكونه شاعرا إذ يستهل ديوان سيرته الذاتية بقصيدة (تذكار طفل قديم ) التي يفتتحها بالأبيات التالية :
حين تغيب ( حارةُ المجدلي )
فما الذي يبقى ؟ ومن ذا يعود ؟
وهل يطيق طائري بعدهـا
وَقْفته يبكــي بأطلالهـــا
والروح ما زال ضَنِينًا بها ؟
***
ما زال صوتي رجْع أنَّاتها
ومعطفي الأوَّل مـن لحمها
لكنمــا ردائــيَ الأخير يَتَّمهــا .. أغرى بهــا عُقْمها فأنكرتْني حين أنكــرتُها

ثم يذهلنا الشاعر الكبير بمئات من المقالات وعشرات الكتب النقدية التي يتناول من خلالها إبداعات الشعراء من كل الأجيال فنراه يكتب عن المتنبي وحسان بن ثابت ثم عن شوقي وناجي وحافظ إبراهيم ومن الأجانب بابلو نيرودا وبول إيلوار وناظم حكمت ، ومن بعدهم يكتب عن محمود أمين العالم ومحمد توفيق وعبد المنعم عواد يوسف وكثيرين من هذا الجيل ثم من جيل الشباب يكتب عن عبد العليم إسماعيل وحزين عمر ويوسف حسني وآخرين ، لقد كتب عن عدد كبير من الشعراء يجِلُّ عن الحصر .
يدهشنا الشاعر الكبير د. حسن فتح الباب في كتاباته النقدية إذ يصك عبارات جديدة على أسماعنا ففي كتابه الأخير تحت الطبع ( الحرية والحب في الأدب في الأدب العالمي والعربي ) نقرأ المصكوكة الأولى عن الشعراء الذين تركوا لنا قصائد في النضال والمقاومة منذ عهود بعيدة فيقول [ ... فتواصلنا إذ عاشوا في قلوبنا وواصلنا الحياة من بعدهم في ضياء النجوم والأقمار والشموس التي أشعتها أشعارهم ، وتحت أغصان ربيعها الرطب الذي داعبتنا نسماته الندية فوقتنا لفحة الهجير القاسي في رمضاء واقعنا الجهم ] ثم يتحفنا بمصكوكة أخرى تبين لنا العلاقة الحميمة بين هؤلاء الشعراء العظام وبين جيله من المبدعين فنقرأ : [...وإننا لنرى أنفسنا وما حولنا تنعكس على مراياهم الصافية ، فنغدو أكثر معرفة بالحياة وما فيها من جمال أو قبح ... ] يا له من تعبير رائع يبين لنا كيف يشعر المبدعون المحدثون بفضل هؤلاء الآتين من عمق التاريخ ، ثم يضع بين أيدينا إحدى صفات الشاعر الصادق الأصيل في مصكوكة أخرى قائلا : [ ...والشاعر الذي يكشف في داخلنا واقعنا عن الحقيقة ويضع بين أيدينا مصباحها ، يفعل ذلك حين يغني للحياة ويفعله حين يبكي للموت ] .
من ناحية أخرى فالشاعر الناقد د. حسن فتح الباب عندما يكتب مقالا نقديا تجد نفسك تقرأ نثرا موزونا وأحيانا مقفى إضافة إلى رسم صورة تشكيلية يتوهج المعنى من خلالها ، فهو يهتم بالتقنيات البلاغية والمحسنات البديعية بنفس قدر اهتمامه بالناحية الموضوعية للمقال ، وفي كتابه الأخير تحت الطبع سالف الذكر نقرأ عبارة شاعرية مرسومة في لوحة تشكيلية جميلة في مقاله عن بابلو نيرودا واصفا طبيعة الحياة التي عاش فيها فيقول : ( ... فالمطر ينزل خيوطا كإبر بلورية طويلة تتحطم على السقوف ) ، وفي فقرة أخرى عنوانها " ما آب من سفر إلا إلى سفر " نجد في هذا العنوان جناسا ناقصا وتكرارا ، وفي فقرة تالية نرى الصورة الشهيرة لكفين متصافحين عندما نقرأ : ( لذلك كان شعر نيرودا شعرا صافيا وبلسما لجراحنا ، ويدا تشد على أيدينا نحن شعراء العرب الذين يكتبون الشعر الجديد ....) .
وفي نفس الكتاب يتناول ديوانا لمحمود أمين العالم ، وفي تحليله لإحدى القصائد التي يصف فيها العالم حال الفدائيين وإرادتهم يقول د. حسن فتح الباب : (فالشعوب كالبحار لا يغيض ماؤها ولا تموت ، وكل غيم شجر وكل جرح هلال ) ، ما أروع الصورة والتشبيه ، والجملة الثانية هي عنوان أحد دواوين الشاعر الكبير . ويشبه الشاعر هذا الديوان بالسيمفونية بحركاتها وتصاعدها ونهايتها فيقول في فقرة بعنوان " أغنية تفيض كبرياء " : ( هكذا تأتي الحركة الثانية من هذه السيمفونية الشعرية وامضة صاعدة متفائلة ... تردد اللحن الآتي الذي يصور مدينة عمان ...)، ثم يقول : ( وتُختتم السيمفونية بنشيد انتصار للأبطال الفلسطينيين يحمل البشارة ، ويسدل الستار على هزيمة الخامس من حزيران ) ، وفي قصيدة يتحدث فيها محمود العالم عن ابنته يقول الشاعر الناقد د. حسن فتح الباب ( يفاجئنا في نهاية المقطع بأنها أدركت أنه في عالم السدود والقيود ولا تعلم متى يعود ) وهو هنا يستعمل تقنية السجع التي تقترب من التقفية ، ومن خلال قراءته في قصيدة أخرى نجده يعقد مقارنة أو مقاربة بين العالم وشعراء آخرين مثل محمد الماغوط وعز الدين إسماعيل والشاعر الصوفي القديم محمد بن عبد الجبار النفري في تحليله لقِصَر القصيدة . ونلهث ونحن نتابعه في جملة لاهثة إذ يقول : ( نغم جياش سريع الإيقاع تلهث خلفه أنفاس القارئ ليلاحق هذا المد الزاخر الممتد إلى شواطئ بعيدة ) ، هذه بالفعل جملة لاهثة تتقطع معها الأنفاس فلا نكاد نلتقط نفسا بين كلمة وأخرى في هذه العبارة .
وفي قراءته لديوان للشاعر أحمد لطفي يحدثنا الشاعر الناقد الكبير د. حسن فتح الباب عن التناص والرؤية وتعريفه عند البنيويين ومخالفة النقاد العرب القدامى لهذا التعريف ثم يقول : ( في رأينا ، أنه يمكن التوسع في هذه الفكرة ، بحيث تشمل التوازي بين الأدب والفنون الأخرى غير اللسانية .... ) ، وبيَّن الفنون الأخرى في الرسم والموسيقى والمسرح وعقد مقارنة بين التناص في الأدب والفنون الأخرى ، مما يعني أنه ليس مجرد ناقد يقرأ ويحلل فقط إنما هو أيضا وبحق صاحب رؤية تفرض نفسها إذ يقول في موضع آخر : ( لقد اكتشفت أن هذا الشاعر الصديق يؤمن معنا بأن الفنون كلها تنبثق من نبع واحد وتؤول أيضا إلى مصب واحد ) وهو هنا يتحدث عن نفسه وعن رؤيته لا عن جموع الشعراء أو الأدباء .
لا نعرف كيف أتته تلك الفكرة العبقرية التي أوحت إليه باستكناه دلالات الحروف ، فهو في تحليله لبحث الشاعر الدائم عن الهوية يقول : ( ونلاحظ بدء جملة أبيات من القصيدة بحرف الألف الدال على الاستقامة في المسيرة ) ويحصي أحد عشرة كلمة تبدأ بحرف الألف الدال على الاستقامة ، ثم يقول : (ومن ثم يمكن أن نعترف مع بعض البنيويين بل البلاغيين العرب المفسرين للقرآن بسحر الحرف).
وفي قراءته ديوان عبد المنعم عواد يوسف نرى الشاعر الناقد د. حسن فتح الباب يذهب في اتجاه إنصاف هذا الشاعر الكبير من غُبْن تاريخي وقع عليه فيبين لقارئه أن النقاد والباحثين قد نسبوا ريادة الشعر الحر إلى صلاح عبد الصبور ومعه آخرون نظرا لشهرتهم برغم سبق شعراء آخرين لهم فيقول : ( غير أن هنالك شاعرا كبيرا سبق هؤلاء جميعا في كتابة القصيدة المتحررة ، وهو عبد الرحمن الشرقاوي في قصيدته " من أب مصري إلى الرئيس ترومان " ، ولكن هذه الحقيقة غابت عن الذاكرة ) ، ونعرف حقيقة أخرى إذ يقول : ( والحقيقة التي لا يشار إليها أن الشاعر عبد المنعم عواد يوسف هو الأسبق تاريخيا من عبد الصبور وسائر من أبدعوا تلك القصيدة في الخمسينات من القرن الماضي من الشعراء المصريين باستثناء الشرقاوي ) ، ثم بتناول تاريخ هؤلاء مع الشعر الحر وصولا إلى تأكيده نشر عبد المنعم عواد يوسف قصيدة "وكما يموت الناس مات " سنة 1953 وكان قد كتبها سنة 1952 وأنه قد نشر قبلها قصيدة بصحيفة (الزمان) .
أما عن قراءته في القصيدة فهو يتوقف كثيرا عند دلالات الحروف والأفعال فيفسر أداتي النفي (لا) و(لم) مثلا بقوله : ( ويضفي الشاعر بتكرار أداتي النفي (لا) و(لم) جوا من الفراغ الموحش الذي يؤطر المكان للدلالة على الموت ... ) ثم ينبهنا إلى إيقاع حرف التاء في القافية مرة بالمد وأخرى بالتسكين ودلالته في الحالتين موضحا أنه : ( يدل على صوت النشيج المتقطع أحيانا والقاطع الباتر أحيانا ) ثم يعقب : ( كما يدل انسياب الأصوات على انتشار أصدائها عبر الفضاء كله أرضا وسماء ) . ومن ثم يأخذنا إلى دلالات الأفعال وملاحظته استعمال الشاعر للفعل المضارع معللا بقوله : ( وذلك بقصد إضفاء الحياة على المشهد ، والتعبير عن التفاعل بين الشخوص والأحداث ) ، ثم يعود لدلالة حرف النون الحانية الموحية بالسكون والشجن في مقطع آخر من القصيدة .
يقرأ الشاعر الناقد الكبير د. حسن فتح الباب ديوان عبد الله شرف من زاوية جديدة إذ يبدأ بجملة " على وزن الهزج " ثم يبين للمتلقي أنه وزن يناسب طابع القصيدة الشجي التي يشبهها بالترنيمة وقربها من السوناتا ، ثم يسترسل في قراءته حتى نجد أنفسنا أمام مصكوكة جميلة أخرى فيقول : ( فهي أنفاسنا ترددت في صدر الشاعر ثم تهدجت على شفتيه أنشودة رقيقة حزينة وثائرة في الوقت نفسه ) . ثم يستهويه مرة أخرى استقراء دلالات الأفعال المعبرة عن الخيال والأخرى الدالة على الحقيقة المُرَّة في الواقع ويقول : ( وفي الأبيات الأخيرة تختفي الأفعال المعبرة عن الأخيلة الرفرافة " تخط ، تجمِّل ، ترسم " لتظهر الأفعال الدالة على الحقائق المفزعة على أرض العاصمة البوسنية " يغلي ، تنز ، تهز ، تسأل ، تطوي " .... ) .
ولا يفتأ الشاعر الناقد الكبير يصك عباراته المدهشة في قراءته ديوان ( مزامير الحب ) للشاعر محمد البخاري فيقول : ( ... بلورات دقيقة شفيفة من أصفى وألمع ما ادخرته النفس الشاعرة المصرية ، ويعود إلى لعبته الأثيرة في ثبر أغوار الكلام ودلالاته إذ يقول : ( وكعهدنا بالبخاري في إيثاره الجمل الاسمية ، مما يدل على سمة الوضوح عنده ، يبدأ غنائيته بالأسماء المتوالية يعقبها بالفعلين الماضي والمضارع المعبرين عن حركة الذات بين الآخرين وحركة الطبيعة ) ، فعند الدكتور حسن فتح الباب لكل كلمة أو حرف دلالة لا يفوِّتها ، ثم يذهب إلى : (الصباحات والأمسيات ، بين رعشة الأضواء وترداد الأصداء ) في جناس رقيق وإن كان ناقصا.
ونلاحظ أيضا أن الشاعر الناقد الكبير د. حسن فتح الباب لا يكتب فقط نقدا أدبيا عند قراءته في أعمال الأدباء ، بل نجده يكتب في الجغرافيا والتاريخ والإحصاء باذلا جهدا مضاعفا في هذا ، ففي تحليله لأعمال نيرودا نراه يبدأ باسم بلدة صغيرة في شيلي هي مسقط رأس الشاعر ثم يسرد لمتلقيه تاريخ هذه البلدة ثم يسهب في وصف طبيعتها وغيرها من البلدات التي عاش فيها أو زارها نيرودا وصفا ينقل القارئ إلى هذه الأماكن أو كأنه يراها في مشهد سينمائي مصور ، فهو يصف الينابيع والتضاريس والشمس والبحر والجبل والمطر ثم البشر من فلاحين وعمال ، وهو بعد هذا يمنحنا ثبتا إحصائيا موثقا لكل أعمال بابلو نيرودا فيحصي لنا كل أعماله منذ سنة 1918 حتى آخر أعماله في سنة 1972 . وعلى هذا النحو يتناول الأستاذ أعمال الشعراء محمود أمين العالم وأحمد لطفي ومحمد توفيق ومحمود توفيق وعبد المنعم عواد يوسف وعبد الله شرف ومحمد البخاري وعبد العليم إسماعيل وحزين عمر ويوسف حسني ، أحد عشر شاعرا بسط أمامنا الشاعر الناقد الكبير الدكتور حسن فتح الباب سيرتهم كاملة أدبيا وجغرافيا وتاريخيا وإحصائيا . ولئن أعدنا قراءة هذا الكتاب مرات لاستطعنا أن نخرج برؤى أخرى كثيرة تختلف وتستكمل هذه الرؤية .

هاني الزيني
31/7/2011

السبت، 16 يوليو 2011

مليونيات حتى النصر


مليونيات حتى النصر

في اليوم الحادي عشر من فبراير 2011 سقط الطاغية بعد ثمانية عشر يوما من اعتصام الثوار وإصرارهم على رحيله مع نظامه الفاسد ، لكن المفارقة كانت في سقوطه دون سقوط النظام الذي أسس له على مدى ثلاثين عاما تغول أثناءها وتوغل وتغلغل في ثنايا وأعطاف الدولة وسيطر على كل مناحي الحياة ، في ذلك اليوم فرح الشعب وأسكرت نشوة الفرح ثوار التحرير فاحتفلوا بنصر لم يكتمل وأخطأوا خطأ فادحا بتركهم الميدان اكتفاء بما تحقق من رحيل الفرعون ، كان من المفترض أن يبقى الثوار في الميدان حتى تكتمل مطالب الثورة باستمرار الضغط على من تولوا زمام الأمور .
أمَا وأن الأمر قد صار إلى ما صار إليه الآن ، فعلى الثوار أن يعيدوا تعبئة الشعب وحشده إلى الميدان وكل الميادين في جميع المحافظات ، فالثورة بدأت ولم تنته بعد ، فعلى كل المستويات لم يتحقق الكثير من المطالب التي نادى بها الثوار وساندناهم فيها ، لابد من استمرار الحشد المليوني في كل جمعة ولابد من الضغط المستمر على الحكومة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي لعب دورا جيدا في إنجاح الثورة ومساندتها ، فالمجلس شريك للثوار ويجب عليه أن يفعِّل هذه المشاركة بجدية وخطوات متسارعة .
الآن على الثوار بدايةً أن يستمروا في جمعات مليونية كما ذكرنا ثم لابد أن يتوحدوا على كلمة سواء وأن ينظموا صفوفهم بدلا من تشتتهم وتفرقهم في ائتلافات واتحادات تعددت وزادت إلى حد الفرقة والاختلاف ، يجب أن يجتمعوا سويا ليكونوا مجلسا أعلى أو هيئة قيادية منهم جميعا يكون لها الحق في الحديث باسم كل الثوار على ألا يزيد عدد هذه الهيئة على عشرة أفراد فكلما زاد العدد تعددت الآراء مما يصعِّب الاتفاق على قرار ، على أن تطالب هذه الهيئة المجلس الأعلى والحكومة بتشكيل مجلس رئاسي لا يزيد على تسعة من المفكرين المدنيين والقانونيين وأحد العسكريين شريطة أن تكون الأغلبية في هذا المجلس للثوار بما لا يقل عن أربعة منهم ويتوزع باقي أعضاء المجلس بين القانونيين الدستوريين واقتصاديين وشخصية عسكرية واحدة .
لقد كانت المشكلة منذ البداية أن الثوار لم يحكموا وهذه طبيعة الثورات الشعبية ، فقد انتفض الشعب المصري بكامله ثائرا تقوده طليعة الشباب الذين هم دائما وقود الثورات وقام الجيش المصري الوطني بدوره العظيم في حماية الثورة ومساعدة الثوار على إنجاحها ، فما كان من الثوار في غمرة الفرح ونشوة النصر إلا أن تعجلوا وسلموا قيادهم له وتركوا الميدان ، ولأنه من طبيعة العسكريين المحافظة واتخاذ القرارات بتمهل وروية شديدة فق سارت الأمور على ما نراه ونشهده الآن على الساحة ، وهو ما لا يتسق ولا يتفق مع روح الثورات التي بطبيعتها تستلزم اتخاذ قرارات ثورية سريعة وقاطعة من أجل تطهير الدولة من كل ما يعتورها من فساد وقطع كل الرءوس مع اجتثاث الجذور ، فما جدوى أن تقطع رأس الشجرة وجذورها ضاربة في عمق التربة تمتد وتتشعب وتستمد غذاء جديدا لينمو لها رأس آخر أقوى وأشد ضراوة .
أعود وأكرر لابد من حشد الشعب إلى الميادين والاعتصام بها حتى يتحقق اكتمال الثورة ، فحتى الآن لم تحقق الحكومة أيا مما تعهدت به منذ أكثر من أربعة أشهر ، وأهم ما يجب المطالبة به والضغط لتحقيقه هما الأمن والاقتصاد ، فهما وتدا الخيمة الرئيسيان اللذان عليهما يقوم البناء ، فالأمن معروفة قصته وكُتب فيها الكثير ولا مناص من تطهير هذا الجهاز بسرعة وجدية ، أما عن الاقتصاد فإن ما يحدث الآن لا يقود إلا إلى الانهيار ، فتوقف عجلة الإنتاج وسقوط السياحة في هوة سحيقة هي أوضاع لا تحتملها مصر ، بينما الواقع يشير إلى زيادة الدخل من ارتفاع الضرائب وتحسن ظروف الملاحة في قناة السويس وغيرها من مصادر الدخل للدولة ، المطلوب قرارات ثورية بأيدٍ لا ترتعش كما تفيدنا جميع مصادر الأخبار الموثوق بها بأن جميع وزراء الخدمات يتقاعسون عن اتخاذ القرارات إما خوفا أو تواطؤًا .
من ناحية أخرى يجب على جميع التنظيمات السياسية والأحزاب والجماعات أن تدعو إلى خروج الشعب إلى الميادين ومؤازرة الثوار ودعمهم ومساعدتهم على حشد الجماهير وتوعيتهم بأهمية الضغط على جميع المسئولين في هذا البلد حتى تتحقق مطالب الثورة التي خرجت من أجلها هاتفة بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية ، هذه المطالب التي لم يتحقق منها إلا النزر اليسير ، فأين هذا الخبز والناس جياع والحياة الاقتصادية متوقفة والإنتاج يتناقص سواء في الصناعة أو الزراعة وقد ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى عنان السماء ، وأين هذه الحرية المخنوقة والمكبلة بالقانون العصبي الذي اتخذته الحكومة بتجريم التظاهر والاعتصام في لحظة عنترية ، ويا ليتها طبقته على من يستحقونه ، بل نجدها تتعامل معهم بيد رخوة وباليد الأخرى الباطشة تتعامل مع الثوار وأسر الشهداء ، أين هذه الحرية التي تعتقل الثوار من المادين وأمام سفارة بني صهيون ، أين تلك الحرية التي تحاكم المدنيين أمام القضاء العسكري وتحرمهم من قاضيهم الطبيعي وتفتئت على دور القضاء المدني وحقه في أداء دوره المجتمعي وهو الذي يحوز ثقة الشعب في حكمته وعدالته ، أين المطلب الثالث وهو العدالة الاجتماعية ، كيف تتحقق هذه العدالة في ظل التفاوت الرهيب في الدخول بشكل غير مبرر ، لا يمكن أن تتحقق هذه العدالة عندما يكون دخل المسئول الكبير في أي هيئة أو مؤسسة يتعدى عشرين وفي بعض الحالات خمسين ضعف دخل مرؤوسيه ، لقد حدثونا كثيرا عن الحد الأدنى للأجور ولم يجرؤوا على الخوض في أمر الحد الأقصى الذي يبتلع معظم ميزانيات هذه الهيئات والمؤسسات ويجور على حقوق الدرجات الوسطى والدنيا في السلم الوظيفي ، ويا ليتهم حققوا وعودهم بتقرير الحد الأدنى بل نجدهم قد قلصوا هذا الحد المزعوم .
ما زال أ‘داء الثورة يلعبون في الخفاء وأحيانا يعبثون علانية ويندسون بين المتظاهرين والمعتصمين الشرفاء لكي يبدو للمتابع أن هؤلاء الثوار هم سبب الفوضى التي تعم البلاد وأنهم يعطلون مصالح الناس ، إنهم يبثون في نفوس الجماهير الإحساس بالرعب حتى يكرهوا الثورة ويصيبهم اليأس فيعودوا يبكون على ما كان من استقرار مزعوم ، إن أذرع أخطبوط الفساد ما زالت تتحرك في جميع الاتجاهات لتحقيق مقولة طاغوتهم المخلوع عندما هدد بـ ( إما أنا أو الفوضى ) . لذلك أيها الثوار العظام عليكم مواصلة مشوار الثورة إلى نهايته ، عليكم أن تتصدوا بقوة وفي تحدٍ صلب لأعدائكم ، أعداء ثورتكم الفريدة والمتفردة بين ثورات العالم على مدى التاريخ ، عليكم أن تعوا جيدا بيت الشعر الملهِم لشوقي : وما نيل المطالب بالتمني    ولكن تؤخذ الدنيا غلابا ، لن يعطيكم أحد شيئا لا تطلبوه بقوة ، ولا تتحقق الأهداف إلا بالإصرار عليها والسعي الدائم والدءوب والمستمر والضاغط بشدة .
اخرجوا غدا إلى الميادين التي رمزها يمدان التحرير ، اخرجوا إلى ميادين الدلتا ، اذهبوا إلى ميادين السويس والصعيد ، ازحفوا إلى كل ميادين مصر ، مصر التي لن تكون محروسة إلا بزحفكم واعتصامكم في مواجهة أعداء الثورة ، حافظوا على طهارة وسلمية الثورة ، كوِّنوا من بينكم مجموعات أمنية قوية لا تسمح لأحد بأن يندس بينكم ، أمِّنوا ميادينكم جيدا في المقدمات والمؤخرات والميامن والمياسر ، لا تسمحوا لأعدائكم أن يفرقوكم أو يشتتوا انتباهكم ، سدوا الثغرات بقلوبكم قبل أيديكم واثبتوا في الميادين يحرس الله بكم مصر وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم .
7/7/2011

الخميس، 14 يوليو 2011

دود الورق

دود الورق 
كثيرة هي أنواع الدود التي تتغذى على الأوراق ، منها الضار مثل تلك الدودة التي تتغذى على نبات القطن فتفسده وتتلف زهراته التي ينبثق منها اللوز فيقل المحصول الناتج ، وهناك أخرى تتغذى على الثمرة نفسها وتستقر بداخلها فتتسبب في أمراض كثيرة لآكليها . وعلى جانب آخر هناك دودتان جميلتان نافعتان تتغذيان على الورق فتنتجان أشياء رائعة تسر النظر والعقل ، ألا وهما دودة القز ودودة الكتب .
دودة القز هي دودة صغيرة اكتُشفت في الهند تتغذى على أوراق شجر التوت ، وظهرت في مصر في عهد محمد علي مؤسس الدولة الحديثة حيث أمر باستيراد شتلات هذه الشجرة ومعها كميات من الدود الذي يتغذى على أوراقها ، تظل هذه الدودة تأكل كميات من ورق التوت وتختزنه بداخلها ويتحول إلى شرنقة من خيوط الحرير التي يحولها الصنع المهرة فيما بعد إلى نسيج يصنعون منه أجمل الثياب والمفروشات التي تسر النظر بجمالها وليونتها .
أما دود الورق من البشر فهم أولئك القراء القرَّاؤون الذين يمضون جُّل أوقاتهم في قراءة كل ما تطاله أيدهم أو تقع عله أبصارهم من ورق مكتوب ، وحب القراءة عند هؤلاء لم يأتهم مصادفة ، إنما هو غرس منذ الصغر من أحد طريقين ، إما أن يكون وراءه دَفْعٌ من أب أو معلم يغرس في النشء حب القراءة والاطلاع أو أن يكون لديه فضول للمعرفة ، وكثير من الأحيان تكون لدى الأسرة مكتبة تثير فضول الناشئ فيحاول أن يطلع على ما فيها من كتب من باب الاستكشاف ، وقد تخدمه الصدفة فتمتد يده إلى كتاب يجذبه فيتوفر على قراءته إلى أن ينهيه حتى لو لم يستوعب مما قرأ الشيء الكثير ، ثم تتوالى محاولاته في القراءة فيتولد لديه حب وانتماء للكتاب ثم يتعاظم هذا الحب إلى أن يتحول صاحبه إلى دودة تلتهم كل ما يقع تحت يده من ورق .
أعرف أنماطا عديدة من هؤلاء الذين تحولوا من قراء إلى دود ورق ، يحكي لي صديق أن أول هدية يتلقاها في عيد ميلاده الأول أي وعمره اثنا عشر شهرا فقط كانت كتابا عن تربية النشء ، والهدية هنا رمزية أراد بها الأب أن تكون أول غرس في عقل ابنه الوليد حتى إذا نما وكبر قص عليه قصة الهدية ليوعز إليه بأهمية الكتاب وأهمية أن يقرأ ، فينشأ صاحبي محبا للقراءة فيقرأ لكبار الكتاب في مرحلة مبكرة من صباه ، حتى إذا كبر واكتمل نموه ونضج عقله يزداد تعلقه بالكتاب ويبدأ في اقتناء ما يتناسب مع ميوله مما يفتح له آفاقا واسعة يطل منها على عالم المعرفة ، ويظل تشجيع الأب له حتى يرحل عن الحياة ويستمر هو في متابعة القراءة إلى أن يتحول إلى دودة ورق . عناك أيضا صديق آخر لا أراه إلا في حالات ثلاث العمل والنوم والقراءة ، فهو لا ينقطع عن القراءة إلا في أثناء العمل أو النوم ، إنه يأكل ويقرأ ويتنقل من مكان إلى آخر ويقرأ ، ويصل به جنون القراءة إلى يضع مكتبة صغيرة في حمام بيته ، فهو لا يضيع ثانية لا يقرأ خلالها ولو كلمة .
إن هؤلاء القرائين يتحولون إلى عِلم متحرك ، إنهم بمرور الوقت يكونون قد قرأوا في شتى المجالات ، فهم كالفراشات التي تتنقل في الحدائق بين الزهور فترتشف من كل رحيق ، إنهم بالأحرى كالنحلات التي تتجول بين البساتين والمزارع فتأكل من خيرها لتطرحه عسلا مصفى فيه شفاء للعقول ، هؤلاء تجدهم يقرأون في التاريخ والجغرافيا والفلسفة والآداب والعلوم وغيرها الكثير فيتحولون إلى أشخاص موسوعيين .
ولا يغيب عنا أصحاب المكتبات العظام الذين قدموها هدايا للجامعات والمكتبات العامة من أمثال الدكتور زكي نجيب محمود والدكتور لويس عوض والدكتور مصطفى خليل رئس وزراء مصر الأسبق والأستاذ الدكتور كمال البتانونى الأستاذ بكلية العلوم بجامعة القاهرة ومن العرب المفكر الاسلامي الشاعر يوسف العظم ، هؤلاء الذين أثروا بمكتباتهم التي تحوي آلاف الكتب في شتى المعارف مكتبات الجامعات والمكتبات العامة والتي استفاد منها مئات بل آلاف الباحثين وطالبي العلم في مختلف تخصصاتهم . فهؤلاء القرَّاؤون لا يستأثرون لأنفسهم بما قرأوا بل إنهم يعملون على أن ينتفع بعلمهم كل ساعٍ للعلم وكل محب للاطلاع ، سلام على هؤلاء .
8/7/2011

الأحد، 19 يونيو 2011

الثورة وتثقيف الأرصفة


       منذ شبابي الباكر تجذبني المقاهي الشعبية ، فقد أدركت مبكرا أن هذه المقاهي تضم بين جنباتها روح المدينة ، ففي وسط البلد أو المدينة تنتشر هذه المقاهي وفيها تجد مختلف الثقافات الشعبية نظرا لما تحويه من فئات مختلفة من المجتمع ، هناك تجد أبناء الطبقة المتوسطة من الموظفين والشباب المتعلم كما قد يجاورك على منضدة بجانبك عامل أو فلاح بسيط ، ولأنني من عشاق وسط المدينة في أي بلد أذهب إليه فقد لاحظت أن المقاهي قد تأخذ طابعا فئويا يضم فئة معينة ، فهناك مقاهٍ لا يرتادها إلا العمال خاصة عمال البناء فهم أكثر الفئات التي تتخذ من المقهى مكانا لتصريف أعمالهم كالاتفاق على عمل جديد مع أحد صغار المقاولين أو قبض مستحقاتهم منهم إلى غير ذلك من اتفاقات إضافة إلى كون المقهى مكان الترفيه الوحيد بالنسبة لهم ، أيضا هناك مقاهٍ تستقبل فئة الكومبارس مثلا وأخرى للصم البكم وكلنا يعرف أن هناك مقاهي للمتقاعدين من وظائفهم وهي معروفة ( بقهوة المعاشات ) .
يتخذ معظم هذه المقاهي أجزاء من أرصفتها امتدادا لها حيث أن مساحاتها صغيرة أو محدودة لا تتسع لكل مرتاديها أو زبائنها ، ودائما ما يكون مكاني بين الرواد على هذه الأرصفة فهي متعة ما بعدها متعة أن تتفحص الوجوه وتسترق السمع على هذه الأرصفة ، ومن المدهش أن نجد هؤلاء الجالسين على الأرصفة مع رشفات الشاي الأسود ودخان الشيشة يتحولون في لحظة إلى منظرين ومتخصصين يفهمون في كل شيء ، فإذا بدأ أحدهم بالحديث عن الكرة مثلا تجدهم جميعا مدربين ومحللين وحكاما ويدلي كل منهم بدلوه ، وإذا تحول الحديث إلى أي موضوع آخر فلكل منهم دلوه الذي يدليه . وكثيرا ما تجد ما يدهشك في هذه الأحاديث وكثيرا أيضا ما تجد ما يثير الضحك والسخرية لكنك دائما ما تحب الاستماع إلى هذه المجادلات والنقاشات .
بعد الثورة كثيرا ما تساءلت ، ماذا فعلت الثورة بهؤلاء وماذا أضافت إليهم ، أتساءل هنا البعد الثقافي للثورة ، في البدء كان الميدان الذي جمع كافة طوائف وفئات الشعب الذي كان من سوء حظي أنني لم أذهب إليه إلا يوما واحدا لكنه كان يوما مشهودا ، كان هذا اليوم التاسع من فبراير أي قبل رحيل الطاغية بيومين ، هناك رأيت كل الناس بكل طبقاتهم ، عند المدخل الذي دلفت منه إلى الميدان وجدت شبابا بسطاء يقومون بدور الأمن في غاية الرقة والتهذيب ، زحفت إلى داخل الميدان لأجد فلاحين بسطاء وأطباء ومحامين وطلاب مدارس وجامعات وسيدات عاملات وموظفات ، رأيت على المنصة شبابا جميلا يعتذرون للمتظاهرين عن عدم قدرتهم على صياغة عباراتهم بلغة صحيحة فيقول أحدهم : ( يا جماعة اعذرونا احنا ناس عاديين مش مثقفين زيكم ) فيصفق له الحشد الموجود أمام المنصة لتشجيعه على الاستمرار ، ويصعد إلى المنصة فلاح قادم من أقصى الصعيد ليشارك في الثورة ويعبر عما يجيش بصدره ، ثم تعتلي سيدة مسيحية لنهتف معها : ( مسلم مسيحي إيد واحدة ) .
إذا عدنا إلى أيام الثورة الأولى سنجد أن الميدان كان ينطق باللغة العربية الفصحى ، فقد ردد المتظاهرون عبارات فصيحة مثل : ( اعتصام .. اعتصام حتى يسقط النظام / يسقط .. يسقط حسني مبارك / الشعب يريد إسقاط النظام / التغيير والرحيل / مبارك .. عفوا .. لقد نفذ رصيدكم / كرامة .. حرية .. عدالة اجتماعية ) . كان هذا في الميدان الذي ثقفته الثورة ورفعت درجة وعيه إلى ذرى عالية .
وعود على بدء ، ماذا فعلت الثورة بأصحاب الأرصفة على المقاهي الشعبية ، كما ذكرنا أن لكل منهم دلوه الذي يدليه ، فقد سمعت من كثير منهم ما أدهشني من حسن التحليل والنظر الثاقب للأحداث ، فمنهم مثلا من تنبأ في الأيام الأولى أن أصدقاء الطاغية في الخارج لن يتركوه يسقط بسهولة ومنهم من قال إن المشكلة ليست فيه بمفرده وبوجوب إسقاط النظام بالكامل ، ثم بعد السقوط المروع والمدوي وانسحاب قوات الشرطة  المفاجئ سمعتهم يُنَظِّرون لهذا الانسحاب كما يُنَظِّر له أعتى المحللين والمثقفين ، ثم يحدث الانفلات الأمني وتنتشر الحوادث وتستفحل قوتها فأسمع من أحد أصدقاء الرصيف أجمل تحليل بعد أن تملك الفزع قلوب الناس واستبد بهم القلق ، فبين أخذ ورد وبعد أن قال كل منا كلمته فاجأني الرجل بتحليله الرائع عندما سألته رأيه ولماذا لا ألحظ قلقا في نبرته ، فقال لست قلقا بصورة كبيرة لأن الأحداث تشبه الأمواج المتلاطمة في البحر وكلما ازداد تتابع الأمواج فإن كل موجة تأتي ببعض ما يحويه البحر من مخلفات السفن الأسماك الميتة والأكياس التي يلقيها المصطافون وغيرها وتلقي بكل هذا على الشاطئ وهكذا موجة بعد أخرى يتم تنظيف البحر تلقائيا . هكذا قارن صاحبنا هياج العنف وأعمال البلطجة بهياج البحر وتلاطم أمواجه ثم هدوؤها وسحب مخلفات البحر إلى الشاطئ .
لم تكن ثورة 25 يناير مجرد ثورة لإسقاط نظام فاسد أو ثورة من أجل الخبز ، لقد كانت ثورة على كل الأوضاع السيئة التي عاشها هذا الشعب وكان من أهمها سوء التعليم وتغييب الوعي ، فقد أعادت هذه الثورة إحياء الوعي لدى الناس وبعثت فيهم روح التساؤل ومحاولة الوصول إلى إجابات على تساؤلاتهم واستفزت فيهم ملكة تفسير الأحداث وتحليلها حتى يتمكنوا من التغلب على قلقهم وبث روح الطمأنينة فيمن حولهم وحتى يشعروا أنهم أحياء يملكون هذا البلد وليسوا مجرد قطعان يحدوها الرعاة .

19/6/2011

الأربعاء، 8 يونيو 2011

جيش وطني من النكسة إلى الثورة (1-5)


تمر هذه الأيام ذكرى معركة خاسرة لم يخُضها جيش مصر ولم يُختَبَر فيها ، إذ فُرضت عليه دون أدنى استعداد ، ولن نخوض هنا في تفاصيل خسارة لا أحب تسميتها نكسة ، فقد كانت خسارة هذه المعركة مقدمة لنصر ساحق مر بعدة مراحل ، كانت المرحلة الأهم هي مرحلة ثبات الجيش المصري خلال الأشهر القليلة التالية لهذه الهزيمة ، ثم مرحلة حرب الاستنزاف المظلومة والتي استمرت لثلاث سنوات تقريبا ، وتأتي بعدهما مرحلة بناء الجيش وتطويره وإعداده لخوض حرب فعلية تنتهي بانتصار ساحق ويتم تدريسها في كثير من المعاهد العسكرية في العالم .
لقد مرت حرب الاستنزاف أيضا بعدة مراحل كانت المرحلة الأولى والأهم هي مرحلة الصمود التي أنقل هنا نص توجيهات القيادة العسكرية عن موقع وكيبيديا : (أصدرت القيادة العسكرية المصرية توجيهات قبل أن ينصرم شهر يونيو 1967 تحدد فيها: "إن مرحلة إعادة التنظيم بنيت على أساس عزيمة وإيمان المقاتل في جيشنا وقدراته على القتال، معتمدًا على الضبط والربط والأخلاق، والروح القتالية تمهيدا لإعادة سيناء بالكامل. ومن أجل هذا الوطن العزيز علينا جميعًا. فلن يسمح بارتداد أي فرد أو أي معدة من خطوطنا الدفاعية الحالية ولن يصدر من القائد العام أو أي قائد أمرًٌٌ بالارتداد. وأن نموت جميعاً في مواقعنا الدفاعية أشرف لنا من وصمنا بالعار، ووصمة الشرف العسكري الذي نتحلى به " ) .
وكان من أهم عمليات هذه المرحلة أربع معارك بدأت بمعركة رأس العش في 1/7/1967 التي كانت شرارتها الأولى محاولة احتلال مدينة بور فؤاد وتصدت لها قوات الصاعقة ببسالة وشجاعة منقطعة النظير ونجحت في دحر المحاولة ، وتلتها في نفس الشهر يومي 14-15/7/1967 معارك القوات الجوية بطلعات قوية وجريئة كبدت العدو الصهيوني خسائر فادحة هرب على أثرها بعض جرذان العدو من مواقعهم ، وفي سبتمبر من نفس العام كانت معارك المدفعية شرق الإسماعيلية في الاشتباك الكبير الذي دمر فيه أبطال المدفعية تسع دبابات وأصابوا عددا آخر منها وأيضا قاذف صواريخ وعربتي لاسلكي بالإضافة إلى مقتل 25 قتيلا وجرح 300 بينهم قائدان ، ثم تأتي هدية القوات البحرية في أكتوبر 1967 متمثلة في إغراق المدمرة إيلات شمال شرق بور سعيد التي كانت تمثل أهمية كبيرة للعدو الصهيوني ، وحققت أيضا خسائر كبيرة في الأرواح اضطرت إسرائيل إلى استئذان مصر عن طريق الأمم المتحدة للبحث عن جرذانها في قاع البحر .
كانت المرحلة السابقة بما حققته من بطولات واستكمال للخطوط الدفاعية وتكوين احتياطيات خفيفة الحركة دافعا قويا لخوض المرحلة التالية وهي مرحلة الدفاع النشط أو المواجهة بعد مرور عام كامل من عمليات المرحلة السابقة ، فقد كان يوم 8 سبتمبر 1968 نقطة تحول رئيسية أعلنت فيه مصر عن نفسها بقوة إقليميا وعالميا وأصبت فيها قوات العدو بخسائر بالغة ومؤثرة ، تمت بقصف مدفعي مُرَكَز استهدف جميع أهداف العدو حتى عمق 30 كم استمرت لثلاث ساعات وشاركت فيها جميع مضادات الدبابات ، وكان أهم هدف هو خط بارليف أثناء إنشائه في هذا الوقت ولم يفلت من الاستهداف أي موقع شرق قناة السويس بما في ذلك مواقع الصواريخ والمدفعية والشئون الإدارية ومراكز الأفراد ، مما أصاب العدو الصهيوني بصدمة نفسية لإحساسه بسيطرة القوات المسلحة المصرية على مجريات الأمور ، وفي الشهر التالي أكتوبر يتكرر القصف المدفعي مدة 70 دقيقة مستهدفا مواقع الصواريخ ، وقد شكل هذا القصف ستارا لاصطياد الدبابات والمركبات الهاربة مما أصاب العدو بالانزعاج نتيجة لخسائره الكبيرة في الأرواح والمعدات .

جيش وطني من النكسة إلى الثورة (2-5)


تقود المرحلتان السابقتان إلى المرحلة الأخيرة والأطول في هذا الصراع حيث امتدت من مارس 1969 إلى يونيه 1970 واشتملت خلالها على عدة جولات ، بدأت الجولة الأولى من 8 مارس حتى 19 يوليه 1969 ، سيطرت فيها القوات المصرية سيطرة كاملة على خطوط الجبهة وكانت وسيلتها الأساسية هي المدفعية مستخدمة حوالي 40 ألف قذيفة ، وقد دمر خلالها أبطال مصر مزاغل النيران في دشم خط بارليف ( المزاغل : فتحات ضيقة تطلق منها النيران ) و30 دشمة فيه و29 دبابة وإبطال مفعول 30 بطارية مدفعية بالإضافة إلى اشتعال حرائق في عدة مواقع إدارية ، وفي منتصف اليوم التالي 9 مارس استشهد البطل عبد المنعم رياض بنيران مدفعية العدو ، وتتوالى عمليات الأبطال وغاراتهم على مواقع العدو والتي تشترك فيها قوات الصاعقة والمدفعية ومضادات الطائرات لتنجح في تكبيد العدو خسائر جسيمة تدفع وزير الدفاع الصهيوني بتهديد القوات المصرية التي تتجاهل تهديداته وتعيد الإغارة ، وفي شهري يونيه ويوليه تشتد الغارات المتبادلة وتستهدف قوات العدو الجزيرة الخضراء شمال خليج السويس لتدمير موقع الرادار فيها وتكاد تنجح لولا أن قائد الموقع طلب بكل جرأة من المدفعية أن تقصف الجزيرة بمن عليها من مصريين وصهاينة ، الأمر الذب أفشل العملية وكبد العدو خسائر كبيرة دون خسائر تُذكَر للمصريين ، هذا فضلا عن الثأر للشهيد عبد المنعم رياض في عملية قادها شهيد آخر هو الشهيد إبراهيم الرفاعي الذي قاد قوة مدربة تدريبا عاليا قتلت وأصابت حوالي 30 ودمرت دبابتين ونسفت 4 دشم ، ثم عمليات لسان بور توفيق ومنطقة القرش وغيرها . وتأتي الجولة الثانية من 30 يوليه 1969 حتى نهاية العام لتغير إسرائيل من شكل المواجهات لتتحول من المسرح البري إلى القصف الجوي الذي يجعل مصر تنشر قواتها وتخفف الحشد في جبهات القناة ، وفي 9 سبتمبر 1969 تقوم إسرائيل بإنزال سرية دبابات على ساحل البحر الأحمر لتتجه إلى الزعفرانة مما كلف مصر بعض الخسائر غير المؤثرة واستثمرتها إسرائيل دعائيا وإعلاميا ، وتستهل القوات الخاصة شهر أكتوبر 1969 بعملية ضخمة للرد على عملية الزعفرانة بقوة من المجموعة 39 عمليات خاصة في منطقة رأس ملعب لتتقدم على الساحل ناسفة ومدمرة كل ما يقابلها من أهداف عسكرية بما فيها الطريق نفسه ، ثم تنصب الشِراك الخداعية وتزرع الألغام وتعود إلى مواقعها سالمة وتنفجر هذه الألغام في القوات الصهيونية لتهرب طلبا للنجاة ، وفي شهري نوفمبر وديسمبر أواخر العام تمسك القوات الباسلة بزمام المبادرة وتستمر العمليات يوما بعد يوم وليلة بعد ليلة ليتكبد العدو خسائر رهيبة في العتاد والأفراد ، وفي يوم 6 ديسمبر 1969 احتلت قوة من أسود كتيبة مشاة الضفة الشرقية لقناة السويس بعد أن تمكنت من إبادة كل ما عليها من أهداف واحتياطيات ومقرات للشئون الإدارية مع التمسك بالأرض . وينصرم العام والقوات المصرية في كامل لياقتها النفسية بانكسار حاجز الخوف من الهزيمة ونجاح المعركة في تحقيق المستهدف منها برغم الفارق الهائل في التسليح وأنواع الأسلحة سواء في الطائرات أو المعدات التي تعمل على الأرض من دبابات ومدافع وخلافه .
ونصل إلى الجولة الأخيرة من هذه المرحلة التي بدأت من يناير 1970 لتنتهي في يونيه من نفس العام ، حيث تدرك إسرائيل أنها غير قادرة على تحقيق أي أهداف من الاستنزاف المضاد فتبدأ باستخدام سلاح الجو في العمق المصري لتدفع في اتجاه وقف حرب الاستنزاف ، ويبدأ التنفيذ باختراق حاجز الصوت فوق القاهرة ليستمر ضرب العمق المصري طوال أربعة أشهر ، كان من أهم هذه العمليات الهجوم على جزيرة شدوان بالبحر الأحمر وكان هجوما فاشلا استمر مدة ست ساعات تصدت له سرية من وحوش الصاعقة المصرية ظلت تقاوم بعنف حال دون تقدم القوات الصهيونية لتعود أدرجها خائبة ويرد بواسل مصر بغارة جوية في العريش تنسف معسكرا للعدو ويعقبه قصف مستعمرة ناحال ليدمر عدة مبان ويقتل ويجرح 35 من أفرادها .

جيش وطني من النكسة إلى الثورة (3-5)


ثم تتوسع القوات الباسلة في القتال البري مدفوعة بالرغبة في الانتقام لخسائرها وتكبيد العدو أكبر قدر من الخسائر في قواته إضافة لاكتساب الثقة واستمرار كسر حاجز الخوف النفسي حيث نجحت عمليات العبور التي اشتركت فيها لحسن التخطيط والتأمين ، وقد نفذت هذه القوات 16 غارة وكمين على الجبهة وثلاث غارات في العمق وكانت جميعها ناجحة اضطرت العدو إلى تحجيم تحركاته . وقد كلفت هذه العمليات العدو الصهيوني خسائر فادحة تمثلت في تدمير عدد كبير جدا من الدبابات والعربات ومختلف أنواع العتاد بالإضافة إلى أعداد كبيرة من القتلى والأسرى في مواقع عديدة مثل الدفرسوار ورقبة الوزة شمال القنطرة التي كانت ثأرا لأطفال بحر البقر ، هذه العملية التي اشتركت فيها مجموعة مشاة قتالية ومجموعة صاعقة قتالية بقيادة موحدة استقرت في مواقعها لاصطياد الجرذان العائدين من إجازاتهم ، وبخطة محكمة نفذت بدقة تنجح العملية في الإيقاع بالقوة كاملة والمكونة من الجنود العائدين من الإجازات تحرسهم قوات مقاتلة من الدبابات والعربات المدرعة وقتل وجرح 35 من أفراد العدو . ويستمر القتال إلى أنن تتغير الأوضاع في 30 يونيه 1970 ، وأنقل هنا نصا حرفيا من ويكيبديا (وقد استمرت الأعمال القتالية المتبادلة حتى حدث تغير هائل بعد ظهر الثلاثين من يونيو 1970، ليحسم الصراع الدائر بين بناة مواقع الصواريخ المصرية وبين ذراع إسرائيل الطويلة، حيث احتلت بعض كتائب الصواريخ مواقعها من خلال تنظيم صندوقي لعناصر الدفاع الجوي، ابتكرته العقول المصرية في قيادة الدفاع الجوي المصري. وبدأ عقب ذلك تساقط الطائرات الإسرائيلية فيما عرف بأسبوع تساقط الفانتوم، ليصاب الطيران الإسرائيلي بأول نكسة في تاريخه أثرت على أسس نظرية الأمن الإسرائيلي بالكامل. وكان هذا اليوم بمثابة إعلان لخسارة إسرائيل لجهودها في معارك حرب الاستنزاف، التي ركزت خلالها على عدم إنشاء أي مواقع صواريخ في مسرح العمليات ) .
مع استمرار الصراع وتصاعده تدرك إسرائيل أن مصر نجحت في استنزافها ، وبدأ الداخل الإسرائيلي في الغليان بسبب الخسائر الجسيمة المتزايدة ، ثم انقسم القادة على أنفسهم وتبادلوا الاتهامات فيما بينهم ، وكان تدمير الحفار الإسرائيلي في أبيدجان قد أشعر أوربا بانعكاس أثر هذه الحرب عليها خوفا من امتدادها إلى مناطق إنتاج البترول التي تهدد مصالحها ، بالإضافة إلى شعور أمريكا بالصدمة من كثافة الوجود السوفيتي في المنطقة مما حدا بها إلى توجيه لوم عنيف إلى إسرائيل وسعت إلى مبادرة روجرز لوقف إطلاق النار بصيغة متوازنة وجد فيها الرئيس جمال عبد الناصر فرصة لالتقاط الأنفاس واستعادة الجيش كفاءته ولياقته بعد حرب مرهقة ، ووجدت فيها إسرائيل فرصة للخروج من الأزمة ووقف خسائرها .
لم يكن الاستنزاف فقط هو الهدف الوحيد من هذه الحرب ، بل إنها كانت بمثابة تدريب عملي جاد وشاق في اتجاه حرب أخرى أكبر وأشمل لتحرير التراب الوطني السليب الذي احتلته عصابات صهيون في يونيه 1967 في حرب لم يخضها جيشنا الوطني العظيم .
( المصدر : في الجزء السابق جميع المعلومات الفنية والأرقام والتواريخ وأسماء مواقع المعارك مصدرها موقع موسوعة ويكبديا على الشبكة العنكبوتية ) .

جيش وطني من النكسة إلى الثورة (4-5)


هذا يأخذنا إلى الحديث عن إعادة بناء الجيش المصري والقوات المسلحة ، فبعد الهزيمة التي لحقت بنا في 5 يونيه 1967 رأى بعض الخبراء العسكريين في أنحاء العالم أن الجيش المصري قد يستغرق جيلا كامل لاستعادة قدرته ولياقته الكاملة ، بينما كان العدو الصهيوني يقول إن مصر لن تقوم لها قائمة قبل أقل من 30 عاما ، ولم يكن هؤلاء يعرفون معنى العقيدة القتالية عند الجندي المصري ، فالجندي المصري يقاتل بعقيدة ثابتة دفاعا عن شرفه العسكري وذودا عن أرضه التي تمثل له العِرض تماما ، ولم تكن حرب الاستنزاف كما ذكرنا إلا المرحلة الأولى من مراحل إعادة البناء والتدريب والإعداد ، وقد تبلورت رؤية الرئيس جمال عبد الناصر في ضرورة التسخين الدائم للجبهة وتنشيط مستمر للعمل العسكري ليشعر العالم بخطورة الأزمة في المنطقة وتذكير العرب والمصريين باستمرار المعركة وهو ما من شأنه تحسين صورة الجيش المصري أمام الأمة العربية والمجتمع الدولي .
كان من الضروري تماسك الجبهة الداخلية وصلابتها وتنشيط العمل الدبلوماسي في الخارج ، وتعويض خسائر الهزيمة من العتاد بمعدات أكثر تقدما ، ثم الأهم وهو بناء الإنسان المقاتل الذي بدونه لا يجدي تحديث السلاح أو زيادته ، وقد اعتمد بناء المقاتل على إزالة الآثار النفسية السيئة لرفع معنويات الجنود واستعادة الثقة بأنفسهم وقادتهم وأسلحتهم ودعم إيمانهم بأن الإنسان هو الذي يحارب وينتصر وليس السلاح الأصم . وقد لجأ الجيش إلى تجنيد حملة المؤهلات العليا والمتوسطة لاستيعاب التدريب على الأسلحة الحديثة ، ومن ناحية أخرى كان التدريب يجري على خط المواجهة وأيضا في الداخل في المناطق المشابهة بمشروعات وعمليات وتجارب مستمرة على اقتحام مانع مائي تم تنفيذه في إحدى المناطق الصحراوية جنوب القاهرة . وفي هذه الأثناء كانت الدولة تعمل على تحديث الأسلحة وزيادتها لكي تتناسب ولو جزئيا مع سلاح العدو والعمل أيضا على تنويع مصادر السلاح حتى لا تقع مصر تحت رحمة مصدر واحد .
( المصدر : يحيى الشاعر ، مؤرخ عسكري ، مواقع مختلفة ) .
في 28 سبتمبر يرحل الزعيم جمال عبد الناصر ليحمل الرئيس محمد أنور السادات المسئولية على عاتقه ، وكان عليه أن يستكمل ما بدأ من قبل من الاستعداد لحرب كبيرة تحرر الأرض وتمحو عار الهزيمة ، فكان أول ما فعله أن طلب تقارير وافية وتفصيلية من المخابرات المصرية عن حالة جيش العدو وقدراته وتسليحه ، ثم يبدأ بتنفيذ المرحلة الأولى من الخطة الإستراتيجية للحرب القادمة وهي خطة الخداع التي استطاعت الأجهزة المعاونة للرئيس السادات من خلالها إيهام العدو الصهيوني بأنه رجل ضعيف لا يقو على الحرب ويخشى أن يصل القتال إلى القاهرة وذلك من خلال بعض الكلمات المدسوسة في خطاباته وصوره المنشورة في وسائل الإعلام ، كما تم الإيحاء بضعف الاقتصاد المصري وأنه لا يحتمل خوض الحرب ، ومن الناحية السياسية إظهار الإذعان لحالة اللاحرب واللاسلم والحديث عن عام الضباب وعام الحسم وإخراج الخبراء الروس بالإضافة لأحداث أخرى كثيرة استمرت على مدى ثلاث سنوات مع اختيار التوقيت المناسب لكل حدث مثل منح إجازات لأعداد من الجنود وسفر بعض القادة لأداء العمرة وزيارة وزير الحربية لليبيا ، كل ذلك مع الاستمرار في التدريب الجاد والشاق لقوات الجيش .
وفي السادس من أكتوبر 1973م الموافق العاشر من رمضان 1393هـ في الثانية إلا خمس دقائق ظهرا ينطلق أكثر من ألفي مدفع ميداني بغطاء جوي من أكثر من مائتي طائرة ليدك حصون العدو على الضفة الشرقية لقناة السويس ، ثم تُمَد الجسور لعبور الدبابات والمدافع الثقيلة فوق أكبر مانع مائي في العالم وتحطيم أقوى خط دفاعي صناعي بعد خط ماجينو ، ويتم رفع العلم المصري فوق خط بارليف ، وتستمر الحرب لتحطم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر ، إلى أن تتدخل أمريكا لوقف الحرب بناء على صرخات الاستنجاد الصادرة عن قادة الجيش المقهور ، ويتوقف القتال في نهاية مايو 1974 بعد اتفاق فصل القوات .
لقد شهدت هذه الحرب بطولات غير عادية من أسود جيش مصر الوطني الذين استماتوا من أجل تحقيق نصر غالٍ وعزيز يتم تدريسه الآن في معظم المعاهد العسكرية في العالم ، فعلى سبيل المثال لا الحصر كان الطيارون يصطدمون بطائراتهم في الأهداف المستعصية لضمان تفجيرها ومنهم صبحي الشيخ وعاطف السادات ، ولا ننسى عبد العاطي صائد الدبابات ، والعقيد محمد زرد الذي ألقى بقنبلة في فتحة التهوية لآخر حصن لم يكن قد سقط من حصون بارليف ثم ينزلق بجسده داخل الفتحة محاولا تصفية من بداخله فيمطره جنود العدو بزخات من الرصاص تُخرِجُ أحشاءَه فيتأكد جنوده من استشهاده إلا أنهم فوجئوا به يخرج من باب الحصن ممسكا بأحشائه بيديه فيجليه جنوده ليلمس العلم الطاهر قبل أن تصعد روحه إلى بارئها ، ثم أسد سيناء العريف سيد زكريا خليل الذي يشتبك في إحدى العمليات بصحبة زميل له مع أطقم ثلاث دبابات ليقضيا على اثنين من جنود الحراسة ثم تتقدم بقية مجموعة سيد زكريا لتنقض على الدبابات والفارين منها ، ثم يتم هجوم آخر بواسطة إبرار جوي شرس فيقتل أسد سيناء 22 من الجنود الإسرائيليين وتستمر المعركة بالإمداد الإسرائيلي ويستشهد جميع أفراد المجموعة المصرية عدا سد زكريا وزميله في مواجهة عدة طائرات ومائة مظلي حتى تنفذ ذخيرتهما ويستشهد أسد سيناء ، ولابد من ذكر الشهيد أحمد حمدي الذي أبطل آلاف الألغام وأقام نقاط المراقبة بأبراج حديدية على الشاطئ وغيرها من العمليات الهامة والمؤثرة قبل أن يفجر نفسه في كوبري الفردان حتى لا يعبر فوقه جنود العدو ، وإبراهيم الرفاعي أسطورة العمليات الخاصة ومحمد المصري الذي دمر 27 دبابة بثلاثين صاروخا فقط وأَسَر أشهر أسير إسرائيلي عساف ياجوري ، وبعد ، هذا غيض من فيض بطولات أسود جيش مصر الوطني الحر الأبي .

جيش وطني من النكسة إلى الثورة (5-5)



تنتهي الحرب مسجلة أروع انتصار في تاريخ العرب والعالم ليتحقق الحديث الشريف عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا منها جندا كثيفا فإنهم خير أجناد الأرض } . وتمضي الأيام ليتخذ البطل الشهيد الرئيس محمد أنور السادات قراره الجريء بتحقيق السلام لأبناء وطنه الذين أرهقتهم الحروب وأنهكت قواهم لينعم المصريون بثمار النصر ، ويعود الجنود إلى ثكناتهم في استراحة محارب تستمر ثلاثين عاما ونيفا كانوا خلالها يقدمون للوطن أجل الأعمال والخدمات في المجالات المدنية لا تعد ولا تحصى .
وفي الخامس والعشرين من يناير يهب الشعب المصري ثائرا على أوضاعه المزرية التي وصل إليها على يد طاغية كبت الحريات وكمم الأفواه وأفقر الناس وأفسد حياتهم الاجتماعية والسياسية وخرجت جموع الشعب إلى ميادين التحرير في كل محافظات مصر ليسقط منهم ألف شهيد وعشرة آلاف مصاب منهم من فقد الحركة ومنهم فقد البصر على أيدي زبانيته ، هنا ينتفض أسود جيش مصر الوطني ، جيش شعب مصر ، يهبون هذه المرة دفاعا عن كرامة هذا الشعب في مواجهة الطاغية وحماية لثورته . لقد كان جيشنا جيشا وطنيا بكل ما تحمله الكلمة من معان ، وعود على بد فقد كون محمد علي هذا الجيش من أبناء الفلاحين المصريين الأصلاء فلم ينضم إليه يوما جندي أجنبي واحد ثم توالى تطويره على أيدي حكام مصر ، ولم يكن أبدا في يوم من الأيام جيشا لحاكم إنما هو دائما وأبدا جيش الشعب الساهر على الذود عن حدوده وحماية شعبه من الطغاة سواء من الخارج أو من الداخل .

تحية لجيشنا العظيم الذي حمى ثورتنا وأدى التحية العسكرية لشهداء الحرية في المادين وقرر طائعا أنه ليس بديلا لشرعية الثورة بل هو حاميها حتى يتم لها الاستقرار .

7/6/2011

الأحد، 5 يونيو 2011

مصر


مصر مقبرة الطامعين والطغاة .. شعبها مخلوق من صوان وجرانيت معجون بماء النيل ... ولا نخاف عليها لأننا شعب من البنائين الذين بنوا الحضارة والمجد ... شعب قاوم كل من طغى وتجبر انكسر وانتصر في التاريخ الحديث والقديم ومنذ الحملة الفرنسية ثم ثورة 1919 ثم 1952 ... فبعد انكسار 1967 قام الشعب مع جيشه العظيم بما نعرفه عن حرب الاستنزاف الجبارة ثم النصر غير المسبوق في 1973 ثم استعادة الأرض ومعها الكرامة ثم الآن ثورة 2011 التي سوف يكللها الله بالنجاح على يد هؤلاء الشباب الأقوياء الصامدين في التحرير ( ميدان الحرية ) .... لقد أضاء هؤلاء الشباب الشعلة وسوف يسلمونها لأبنائهم ولن تعود مصر بعد الآن إلى ما كانت عليه فقد انكسر حاجز الخوف الذي صنعه الجبارون الطغاة إلى الأبد ... سوف يورثون أبناءهم الشجاعة والإقدام وطعم الحرية وسوف يرضعونهم الكرامة والعزة ... وسوف يعرفونهم أنه ما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا ... يطول الكلام عن هذا الشعب العظيم ... تحيا مصر ... تحيا مصر ... تحيا مصر .
29/1/2001

ما زال الابتزاز مستمرا

ما زال الابتزاز مستمرا
لي صديق قديم يحيرني أمره ، فهو رجل وسيم من أسرة كريمة ويعد من ميسوري الحال ، على خلق طيب ويملك كثيرا من أسباب الراحة ، صديقي هذا تخطى عتبة الخمسين ، وما يحيرني في شأنه أنه لم يتزوج حتى الآن ، كثيرا ما سألته عن السبب وألححت عليه في طلب الإجابة ودائما ما كانت تصلني الإجابة صمتا إلى أن ملَّ إلحاحي فقرر أن يريحني بردٍ رأيته منطقيا وواقعيا ، قال صاحبي تعرف أن لي طقوسا اعتدت أن أمارسها منذ شبابي ، طقوسي صباحية وأخرى مسائية حتى عندما آوي إلى فراشي ليلا لي أيضا ما اعتدت على ممارسته قبل النوم ، لقد اعتدت حياتي هذه التي أعيشها بهذه الممارسات وتعرف يا صديقي أن الزواج يقتضي أن أغير كل ما اعتدته ، ولما كان الزمن قد طال بي على هذه الحال فلم يعد بمقدوري أن أتغير ، ولو أمكن تغيير مفاهيم الزواج فقد أغامر وأفعلها .
هكذا أراني أعقد مقارنة بين صديقي هذا وبين القائمين على الأمن في مصر . لقد طال بهم الزمن في ظل قانون الطوارئ الذي أتاح لهم التجبر إلى حد إذلال الشعب وشعورهم بأنهم أنصاف آلهة ، إن قانون الطوارئ معلن منذ ما يقرب من أربعين عاما ، وهو ما يعني أن جيلين كاملين من الضباط وضباط الصف قد بدأوا حياتهم الشُرَطية في ظل هذا القانون ، إن من تخرج في كلية الشرطة منذ أربعين عاما أو أقل هو الآن في رتبة عميد أو لواء ، أي أنه قضى حياته العملية كاملة في ظل هذا القانون البائس وهو ما يعني أنه قد اعتاد كل هذه الممارسات التي رأيناها والتي يعتبرها حقوقا مكتسبة ، فهو عندما يسير في الشارع مثلا يرى الخوف في عيون المارة ، وإذا ألقى القبض على متهم أو غير متهم للاشتباه فأقل ما يفعله هو الإهانة اللفظية وصولا إلى أقصى حدود التعذيب البدني ، غير أنه اعتاد أيضا التعالي والصلف والتجبر والتكبر ، وكل هذا بسند من قانون الطوارئ البغيض . إن ضابطا عاش هذه الحياة واعتاد على ما اعتاد عليه من الطقوس والممارسات لثلاثين عاما أو يزيد لا يستطيع أن يتغير كصديقي الذي امتنع عن الزواج .
وحتى الآن ما زال ضباط الشرطة يمارسون ابتزازهم ، إنهم لا يريدون النزول إلى الشارع إلا بشروطهم ، فإما أن يعودوا جبابرة لا يحترمون آدمية المصريين ويبثون الرعب في الشارع أو أن تظل حالة الفوضى التي يتسبب غيابهم فيها ، وما زال جهاز أم الدولة يعمل بكامل عنفوانه تحت اسم جديد يقال أنه الأمن الوطني مما يذكرني بالمثل الشعبي ( لبِّس البوصة تبقى عروسة ) فالأصل والأساس لم يتغير فما تغير فقط هو الرداء إذا نزعته وجدت البوصة كما هي ، فحتى الآن نقرأ ونشاهد أخبار الاعتقالات والاختطاف وتلفيق الاتهامات الباطلة ونسمع عن تركيع المتظاهرين أمام السفارة الملعونة ، وفوق كل هذا نسمع يوميا عن مناشدة الشرطة النزول إلى أعمالهم ومناشدة الشعب أن يتعاون معهم . لا أعرف إن كان ما يحدث يدعو إلى الضحك أم إلى البكاء ، هل فعلا شر البلية ما يضحك أم أنه يبعث على الحزن والقلق والبكاء حتى تجف المآقي .


25/5/2011

ابتزاز

ابتزاز
إن اختفاء الشرطة من الشارع شيء يثير الحيرة والقلق ، لماذا يختفي جميع أفراد الشرطة بكل فئاتها وتخصصاتها من الشارع بهذا الشكل المريب ، فبسبب ما ارتكبه ضباط وجنود أمن الدولة مما هو معروف في بداية الثورة لم يعد لهم أي مصداقية أو قبول في الشارع نتيجة ما اقترفوه من أفعال يندى لها جبين كل شرطي شريف في جميع أنحاء العالم ، وهو ما أدى إلى شعورهم بالانكسار والخزي في مواجهة الناس في الشارع المصري ، كل الناس وليس الثوار فقط .
ومن العجيب أننا منذ اللحظات الأولى لظهور رجال الشرطة في وسائل الإعلام من أجل أن يوضحوا لنا ملابسات ما حدث ، من العجيب أنهم كانوا يدافعون عن أنفسهم بدعوى أنهم كانوا يؤدون عملهم وواجبهم ، أيّ واجب هذا الذي يدفع إلى قتل شاب ثائر على أوضاع ظالمة وفاسدة سلاحه الوحيد علم مصر يشهره في وجوههم ، كان هذا في أول استضافة لضباط من الشرطة على قناة دريم في برنامج العاشرة مساء عقب تنحي الرئيس السابق مباشرة في اليوم التالي أو الذي يليه ، حيث استضافت المتألقة منى الشاذلي اثنين من الضباط تحدثا عن عدو أو تغيير العدو أو ما شابه من مصطلحات صدمتنا في تلك الليلة التي جاءوا فيها أصلا للاعتذار ، ثم تتوالى اللقاءات على مختلف الفضائيات والحديث واحد والتوجه واحد ، حتى يصدمنا وزير الداخلية نفسه بحديثه الفاضح مع خيري رمضان في التليفزيون المصري (تليفزيوننا) على الرغم من أنه جاء إلى الوزارة من بيته الذي أُقصي إليه منذ سنوات لا تقل عن أربع لخلافه مع السفاح السابق ، أي أنه قبل الثورة بأربع سنوات وبعدها بعدة أيام لم تكن له أي صلة أو علاقة بهذه الوزارة ورغم هذا يخرج علينا بما شاهدناه وسمعناه منه ، ثم يدهسنا هذا المشهد الكئيب الذي سجله شخص عبقري لهذا " السيد " مدير أمن البحيرة الذي اعتبر الشعب جماعة من العبيد لا يجوز لهم الاعتراض على السادة .
لقد انتشرت الفوضى والبلطجة في أنحاء البلاد ، فالآن يقوم العاملون بمهاجمة مقار أعمالهم التي يرتزقون منها من أجل الإطاحة برئيسهم وغيرهم كثير من أصحاب الحاجات والمطالب الخاصة والفئوية ، فمن عجب أن نسمع ونقرأ مثلا عن أن صغار المستثمرين في البورصة ينتظرون أن تقوم بفتح أبوابها حتى يضرموا فيها النار لأنهم يعرفون أن أسهمهم سوف تنهار عند الفتح ، أيضا هؤلاء المجرمون الذي يروعون أطفال المدارس سواء في وسائل انتقالهم أو في مدارسهم ، وترويع الآمنين في الشوارع ومهاجمتهم وسرقتهم بالإكراه كما تطالعنا الأخبار يوميا ، هذا بخلاف توقف العمل في شتى مناحي الحياة بسبب افتقاد الأمن .
من هنا استشعرت وزارة الداخلية مدى الرعب الذي انتشر بين الناس ، مما دفعها إلى التعنت في مطالبها هي الأخرى ، إنهم لا يريدون النزول إلى الشارع إلا بشروط ، ما معنى أن يضع الأمن شروطا قبل أن يقوم بعمله ومهامه المنوطة به ، إنهم يريدون أن يحتويهم المجتمع وأن يحترمهم وأن يهابهم ، حسنٌ ، سوف نحترمهم ، لكن أين ومتى ، هل نذهب إليهم في بيوتهم ونسترحمهم أن يقوموا بواجبهم ، أليس من الطبيعي والمنطقي أن نقدم لهم هذا الاحترام والتقدير في أماكن عملهم سواء في أقسام الشرطة أو في الشارع الذي تركوه ، عندما يعود هؤلاء إلى أعمالهم وأماكنهم بالشكل اللائق في تعاملهم مع الجمهور والشعب وبالحفاظ على كرامتنا ، بعد هذا وليس قبله يمكن أن نسامح ونتسامح مع ما قدموه قبل الثورة وخلال أيامها الأولى . إنهم يروننا عبيدا في عيونهم ، عندما يتحرر هؤلاء من نظرة الاستعلاء ، وعندما يتأكدون أن الشرطة في خدمة الشعب فعلا ، عندما يوقنون أنهم منذ التحقوا بكلية الشرطة فقد تعين عليهم خدمة هذا الشعب الذي يتكفل بالإنفاق على هذه الكلية ثم يدفع لهم رواتبهم بعد التخرج من الضرائب التي يدفعها راضيا أو صاغرا ، بعد كل هذا وبعد أن يتخلوا عن ابتزازنا ، هنا فقط سوف يجدون منا كل التقدير وكل الاحترام ، وسوف نحتويهم وندافع عنهم ضد من يحاول إهانتهم أو التقليل من شأنهم .

3/3/2011