خذلونا .. لكننا أقوياء
قامت ثورة 25 يناير 2011 الفتية كما نعلم على أيدي شباب مصر الطاهر وساندهم الشعب العظيم بكل قوته ، حتى تمكنوا من إسقاط الطاغية عن عرش مصر بمؤازرة القوات المسلحة التي هتف الثوار بعبارة صادقة أن الجيش والشعب يد واحدة واثقون في هذا الوقت أو قل راجون أن يعمل المجلس العسكري بكل طاقته على نجاح ثورتهم والوصول بها إلى بر آمن يحقق أهدافها في الحرية وكرامة الإنسان ، لكن بعدها جرت الرياح بما لا تشتهي سفينة الثورة .
لقد خذلنا الجميع ، وأول من خذلنا كان المجلس العسكري بداية بخدعة 19 مارس 2011 من خلال استفتاء الشعب على تسع مواد وإضافة اثنتين ، قالت الأغلبية نعم والأقلية لا ، وبغض النظر عن الأسباب وراء من قالوا نعم أو من قالوا لا ، فقد أهدر المجلس العسكري كل الأصوات بخروجه علينا بالإعلان الدستوري الذي تضمن اثنتين وستين مادة ، وينص في مادته الثامنة منه على الحرية الشخصية التي لا يقيدها إلا النيابة العامة والقضاء وفي المادة التاسعة على حفظ كرامة المقبوض عليه وعدم جواز إيذائه بدنيا أو معنويا أو حبسه في غير الأماكن القانونية ، وفي المادة الثالثة عشر ينص على حرية الصحافة والطباعة والنشر وحظر الرقابة على الصحف أو إنذارها أو وقفها بغير الطرق القانونية والقضائية ، هذا بالإضافة لعدد آخر من المواد يكفل للمواطن كافة الحريات وذلك في المواد من 14 إلى 24 . وينص في المادة 41 على أن تبدأ إجراءات انتخابات البرلمان بمجلسيه خلال ستة أشهر من تاريخ الإعلان ، كما جاء في المادة 55 أن الشرطة هيئة مدنية تؤدي واجبها في خدمة الشعب وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن ، وفي المادة 57 يتولى مجلس الوزراء والوزراء السلطة التنفيذية كل فيما يخصه . ودون الخوض في تفاصيل ما جرى خلال الفترة المنصرمة والتي نعرفها جميعا منذ تاريخ هذا الإعلان في آخر مارس 2011 حتى الآن ، فإننا بقراءة سريعة للأحداث لا نجد شيئا منها قد تحقق ، فمازال القبض العشوائي على المواطنين وإهدار كرامتهم وإيذاؤهم بدنيا ومعنويا ، والحجر على حرية الرأي والرقابة على الإعلام والمحاكمات العسكرية بعيدا عن القضاء الطبيعي ، ناهيك عن غياب الأمن وشكل الحالة الأمنية في البلاد ، وقد مر سبعة أشهر ولم تبدأ انتخابات البرلمان بعد ولم يتحقق شيء مما جاء في الإعلان الدستوري بكليته ، هل بعد هذا خذلان .
أيضا خذلتنا النخبة السياسية المتشرذمة بسعيها لاقتسام الكعكة النيئة التي لم تطب بعد ، نراهم يتناحرون ويتصارعون من أجل الحصول على شخصية بعيدة تماما عن الصالح العام وعن صالح الوطن ، يحدث هذا رغم أن الغالبية العظمى منهم كانوا قد قفزوا على أكتاف الثورة ولم يشاركوا أبدا منذ بدايتها ، وواقع الأمر أنهم عملوا بمقولة قوم موسى [ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ] ، وما إن قاتل الثوار ومناصروهم وانتصروا بإسقاط الفرعون حتى قفز هؤلاء على أكتافهم طالبين أنصبتهم ، جميعهم من اليمين إلى اليسار ، من الداعين إلى الدولة المدنية إلى الداعين للدولة الدينية ، كلهم خذلونا بفرقتهم وإعلاء المصالح الخاصة على صالح الجموع ، ولكن هيهات فقد قال رب العزة ردا على أتباع موسى [ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ] ، والله صادق فيما قال . سيخذلهم الله كما خذلونا .
خذلنا الثوار بتفرقهم وتشتتهم وانفراط عقدهم ، فقد آل بهم الحال إلى تحالفات وائتلافات ضعيفة ومفككة وقد وصل عدد هذه الائتلافات إلى ما يربو على مائة وعشرين فرقة فرَّقتْهم ولم تجمعهم ، لقد تحول معظمهم إلى نجوم على شاشات الفضائيات يخوِّن بعضُهم بعض ، وأصبحت الثورة مصدرا للرزق لكثير منهم بعد أن استقطبتهم الشاشات للعمل كمذيعين بها ، نسي هؤلاء طموحهم العام الحقيقي في نقل هذا البلد الطيب إلى مستقبل أفضل على أيديهم واتجهوا لتحقيق طموحاتهم الخاصة وأحلامهم في النجومية والشهرة وتركوا من سندوا ظهورهم في أيام المجد الثمانية عشر ينزلون إلى الميادين بدونهم وكثيرا ما أعلن معظم هذه الائتلافات عدم النزول إلى الميادين وتخليهم عن جموع الشعب . خذلونا ، أليس كذلك .
خذلنا الإعلام الرسمي والخاص ، فما زال الإعلام الرسمي يرتكب نفس الخطايا التي كان يقترفها في الزمن الساقط زمن الطاغية المخلوع ، ما زلنا نستمع إلى نفس الخطاب المضلل والأكاذيب والنفاق ، ما زالت صورة صفوت الشريف وأنس الفقي تطل علينا مسيطرة على المشهد ، لم يتخلص إعلاميو السلطان من ريائهم وضعفهم رغم تذرعهم بأعذار واهية باهتة مثل عقولهم . لقد خذلنا أيضا الإعلام الخاص باستثناءات محدودة جدا تكاد تختفي بين كم التفاهة والرياء والضعف ، نجد كل الشاشات وقد عاد إليها أقطاب الزمن الساقط ، جميعهم يستضيفون أذناب الحزب المنحل وتجار آلام الوطن ، يا للخذلان .
بعد كل هذا الخذلان ، هل من أمل ؟ ، هل ما زلنا متفائلين ؟ ، أقول نعم لم يفت الوقت بعد ، رغم كل من خذلونا فإن هناك كثيرين ما زالوا قابضين على الجمر ، جمر الثورة المتقد ، ومادام الجمر ملتهبا سنظل ننفخ فيه ، ولو تحول رمادا فتحت الرماد نار تزل قابلة للاشتعال كلما نفخنا فيه ، فما ضاع حق وراءه مطالب ، ومن حقنا أن نفرح بثورتنا ، من حقنا وواجبنا أن نسعى جاهدين وبكل ما أوتينا من قوة وحيلة إلى تحقيق أهداف ثورتنا ، من حقنا أن نستعيد دماء شهدائنا الذين قدموا حياتهم فداءً لحياتنا وأن نحيى حياتنا بكرامة ، ومن حقنا وواجبنا أن نقتص لأبنائنا الأحياء الذين فقدوا أجزاء عزيزة من أجسامهم . ما ضاع حق وراءه مطالب ولا نامت أعين الجبناء ، فنحن ما زلنا أقوياء بحب هذا البلد .
23/10/2011

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق