ثمانية عشر يوما أخرى
هب الشعب المصري في الخامس والعشرين من يناير 2011 خلف شبابه الثائرين على الظلم والقهر والقمع وكبت الحريات والفقر وغياب العدالة الاجتماعية التي لخصوها في جملة بديعة عندما قالوا : ( عيش – حرية – عدالة اجتماعية – كرامة إنسانية ) ، وقد انقضى ثمانية أشهر منذ بداية الثورة حتى الآن ، فهل تحقق هدف واحد من هذه الأهداف .
إن ما تحقق خلال هذه الفترة لا يعدو كونه بعض المسكنات ، وفي البداية لم يكن يتحقق أي مطلب من مطالب الثورة إلا بضغط التظاهر وحشد المليونيات في ميادين مصر وكان القائمون على الأمر سواء الحكومة أو المجلس العسكري – لا أحب تسميته المجلس الأعلى للقوات المسلحة – يحسبون حساب هذه التظاهرات فيقدمون على تنفيذ أحد هذه المطالب تحسبا لما قد يجره عليهم عدم التنفيذ من غضب الثوار .
بيد أنه بمرور الوقت بدأ الحكام في التراجع والعودة إلى سيرة الأوائل عملا بمبدأ قد أعطيناكم حرية الصراخ فاصرخوا بما أوتيتم من قوة وابحثوا عمن يسمع صراخكم فأنتم تصرخون في البرية . فالشعب يئن ويصرخ ولا من مجيب . كم صرخ الثوار ؟ كم هتفوا لا نريد حكاما من بقايا النظام الساقط ، وكلما علا الصراخ تأتي الإجابة فرض رمز من رموز الماضي العفن سواء في الوزارة أو الجامعات أو المحافظات وكل قطاعات الوطن الجريح ، الوطن يتلوى ألما وهم يفرضون حكم الطوارئ ، الوطن يتوجع وهم يفرضون الرقابة على الإعلام ويسدون المنافذ ، يهاجمون مقار الفضائيات لإغلاقها وما لم يتم غلقه يكممون أفواه مذيعيه ، وما فرار بلال فضل ومحمود سعد بجلدهم من قناتهم التي قامت على أكتافهم ببعيد ، وما مصادرة ثلاث صحف ومنعها من النشر إلا نكوص وتراجع خطوات إلى الخلف .
لقد خرجت في الفترة الأخيرة ثلاث مليونيات رفعت شعارات ومطالب ، كانت المظاهرة تبدأ نهارا وتنتهي ليلا وتشرق شمس اليوم التالي على لا شيء ويظهر الماء سرابا ، فقد أدرك السادة أن الشعب والثوار يكتفون بحق الصراخ في الميادين وعلى الشاشات وبعد أن تضيع أصواتهم هباء أدراج الرياح يعودون إلى بيوتهم خائري القوى مبحوحة أصواتهم مكسورة نفوسهم يعاودون الكرة الجمعة بعد الجمعة ولا من مجيب ، بل يزداد العنت والعناد بإصدار قرارات جديدة يعلمون تماما أنها مرفوضة ، ولكن لأنهم يعرفون أن رد الفعل سيكون مليونية ثم عودة إلى البيوت والشاشات فإنهم في غيهم ماضون .
لقد حققت الموجة الأولى من الثورة خلال الثمانية عشر يوما المجيدة الإطاحة بقمة جبل الجليد فقط وكانت هي الموجة الأقوى التي حققت الهدف الأسهل ، فالجزء العلوي من أي بناء هو الأضعف دائما وهو أول ما ينهار إذا وقع الزلزال ، ويبقى الأساس الأصعب الذي يضرب بجذوره في عمق الأرض والذي يحتاج إلى قوة أكبر لإزالته من تلك الهزة التي أطاحت بقمته .
يا ثوار مصر انتبهوا ، لقد أخطأنا حين فرحنا بإزالة قمة الجبل في البداية ، لقد أخطأنا حين غادرنا الميادين في 12 فبراير بعد خلع الطاغية ، ظننا أننا قد كسبنا معركتنا وأن الثورة قد نجحت وآتت أُكُلَها ، لم هذا نتيجة غبائنا بقدر ما كان عنوانا لطهرنا وحسن ظننا بمن أوكلناهم حماية ظهورنا ، وبعد أن ظننا أن الأمل قد لاح في الأفق ، فإذا بحماة الوطن يخنقونه ويخنقونا . لم تعد تجدي أيها الثوار حماة مصر الحقيقيين تلك المظاهرات المليونية في كل جمعة ، فقد استنام الحكام إلى نتائجها التي لم تعد تلمس أوتار حسهم الوطني .
ثوروا يا حماة الوطن وأصحابه الأصليين ، عودوا إلى الميادين في موجة ثانية من موجات الثورة العظيمة ، عودوا إلى الميادين وتغادروها قبل تحقيق مطالب مصر الحبيبة ، مصر تحتاج منكم ثمانية عشر يوما أخرى .
1/10/2011

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق