أكتب اليوم عن أستاذي الشاعر الدكتور حسن فتح الباب في قراءة لكتابه الجديد تحت الطبع ( الحرية والحب في الشعر العالمي والعربي )
الشاعر الدكتور حسن فتح الباب ناقدا
للشاعر الدكتور حسن فتح الباب عشرات الدواوين الشعرية التي أودعها تجربته الحياتية وخلاصة العمر ، وهو أحد أهم رواد الشعر الحديث المعروف بالشعر الحر أو شعر التفعيلة ، لقد أضاف الشاعر د. حسن فتح الباب غرضا جديدا إلى أغراض الشعر العربي الموروثة منذ الشعر الجاهلي حتى الآن ، ألا وهو كتابة السيرة الذاتية شعرا ، ففي ديوانه ( حارة المجدلي ) يقول في المقدمة : (هذه صفحات من سيرة حياتي في مرحلة الطفولة والشباب الباكر ، لا أطمح إلى أن أبلغ بها المكانة التي بلغها جوركي العظيم بكتابه " طفولتي " ، ولا غيره من أصحاب السير الذاتية الذين خلدهم التاريخ مثل القديس أوغسطين في اعترافاته وجان جاك روسو في " اعترافات فتى العصر " ، وابن خلدون الذي أرخ لطرف من حياته في مقدمته الشهيرة ، والإمام الغزالي في رحلته بين الإيمان والشك والتي سماها (" المرشد من الضلال "). ويذكر في المقدمة أيضا أسماء كثيرين ممن سطروا سيرتهم الذاتية مثل طه حسين وأحمد أمين وتوفيق الحكيم والعقاد ولويس عوض وسلامة موسى وغيرهم ، ونلاحظ هنا أن كل هؤلاء الكتاب الكبار ليس من بينهم شاعر واحد ، فهم كتاب نثريون منهم كاتب عالمي وقديس وفيلسوف وعالم دين وروائيون وصحفيون ، ويقف متفردا بينهم الشاعر د. حسن فتح الباب لكونه شاعرا إذ يستهل ديوان سيرته الذاتية بقصيدة (تذكار طفل قديم ) التي يفتتحها بالأبيات التالية :
حين تغيب ( حارةُ المجدلي )
فما الذي يبقى ؟ ومن ذا يعود ؟
وهل يطيق طائري بعدهـا
وَقْفته يبكــي بأطلالهـــا
والروح ما زال ضَنِينًا بها ؟
***
ما زال صوتي رجْع أنَّاتها
ومعطفي الأوَّل مـن لحمها
لكنمــا ردائــيَ الأخير يَتَّمهــا .. أغرى بهــا عُقْمها فأنكرتْني حين أنكــرتُها
ثم يذهلنا الشاعر الكبير بمئات من المقالات وعشرات الكتب النقدية التي يتناول من خلالها إبداعات الشعراء من كل الأجيال فنراه يكتب عن المتنبي وحسان بن ثابت ثم عن شوقي وناجي وحافظ إبراهيم ومن الأجانب بابلو نيرودا وبول إيلوار وناظم حكمت ، ومن بعدهم يكتب عن محمود أمين العالم ومحمد توفيق وعبد المنعم عواد يوسف وكثيرين من هذا الجيل ثم من جيل الشباب يكتب عن عبد العليم إسماعيل وحزين عمر ويوسف حسني وآخرين ، لقد كتب عن عدد كبير من الشعراء يجِلُّ عن الحصر .
يدهشنا الشاعر الكبير د. حسن فتح الباب في كتاباته النقدية إذ يصك عبارات جديدة على أسماعنا ففي كتابه الأخير تحت الطبع ( الحرية والحب في الأدب في الأدب العالمي والعربي ) نقرأ المصكوكة الأولى عن الشعراء الذين تركوا لنا قصائد في النضال والمقاومة منذ عهود بعيدة فيقول [ ... فتواصلنا إذ عاشوا في قلوبنا وواصلنا الحياة من بعدهم في ضياء النجوم والأقمار والشموس التي أشعتها أشعارهم ، وتحت أغصان ربيعها الرطب الذي داعبتنا نسماته الندية فوقتنا لفحة الهجير القاسي في رمضاء واقعنا الجهم ] ثم يتحفنا بمصكوكة أخرى تبين لنا العلاقة الحميمة بين هؤلاء الشعراء العظام وبين جيله من المبدعين فنقرأ : [...وإننا لنرى أنفسنا وما حولنا تنعكس على مراياهم الصافية ، فنغدو أكثر معرفة بالحياة وما فيها من جمال أو قبح ... ] يا له من تعبير رائع يبين لنا كيف يشعر المبدعون المحدثون بفضل هؤلاء الآتين من عمق التاريخ ، ثم يضع بين أيدينا إحدى صفات الشاعر الصادق الأصيل في مصكوكة أخرى قائلا : [ ...والشاعر الذي يكشف في داخلنا واقعنا عن الحقيقة ويضع بين أيدينا مصباحها ، يفعل ذلك حين يغني للحياة ويفعله حين يبكي للموت ] .
من ناحية أخرى فالشاعر الناقد د. حسن فتح الباب عندما يكتب مقالا نقديا تجد نفسك تقرأ نثرا موزونا وأحيانا مقفى إضافة إلى رسم صورة تشكيلية يتوهج المعنى من خلالها ، فهو يهتم بالتقنيات البلاغية والمحسنات البديعية بنفس قدر اهتمامه بالناحية الموضوعية للمقال ، وفي كتابه الأخير تحت الطبع سالف الذكر نقرأ عبارة شاعرية مرسومة في لوحة تشكيلية جميلة في مقاله عن بابلو نيرودا واصفا طبيعة الحياة التي عاش فيها فيقول : ( ... فالمطر ينزل خيوطا كإبر بلورية طويلة تتحطم على السقوف ) ، وفي فقرة أخرى عنوانها " ما آب من سفر إلا إلى سفر " نجد في هذا العنوان جناسا ناقصا وتكرارا ، وفي فقرة تالية نرى الصورة الشهيرة لكفين متصافحين عندما نقرأ : ( لذلك كان شعر نيرودا شعرا صافيا وبلسما لجراحنا ، ويدا تشد على أيدينا نحن شعراء العرب الذين يكتبون الشعر الجديد ....) .
وفي نفس الكتاب يتناول ديوانا لمحمود أمين العالم ، وفي تحليله لإحدى القصائد التي يصف فيها العالم حال الفدائيين وإرادتهم يقول د. حسن فتح الباب : (فالشعوب كالبحار لا يغيض ماؤها ولا تموت ، وكل غيم شجر وكل جرح هلال ) ، ما أروع الصورة والتشبيه ، والجملة الثانية هي عنوان أحد دواوين الشاعر الكبير . ويشبه الشاعر هذا الديوان بالسيمفونية بحركاتها وتصاعدها ونهايتها فيقول في فقرة بعنوان " أغنية تفيض كبرياء " : ( هكذا تأتي الحركة الثانية من هذه السيمفونية الشعرية وامضة صاعدة متفائلة ... تردد اللحن الآتي الذي يصور مدينة عمان ...)، ثم يقول : ( وتُختتم السيمفونية بنشيد انتصار للأبطال الفلسطينيين يحمل البشارة ، ويسدل الستار على هزيمة الخامس من حزيران ) ، وفي قصيدة يتحدث فيها محمود العالم عن ابنته يقول الشاعر الناقد د. حسن فتح الباب ( يفاجئنا في نهاية المقطع بأنها أدركت أنه في عالم السدود والقيود ولا تعلم متى يعود ) وهو هنا يستعمل تقنية السجع التي تقترب من التقفية ، ومن خلال قراءته في قصيدة أخرى نجده يعقد مقارنة أو مقاربة بين العالم وشعراء آخرين مثل محمد الماغوط وعز الدين إسماعيل والشاعر الصوفي القديم محمد بن عبد الجبار النفري في تحليله لقِصَر القصيدة . ونلهث ونحن نتابعه في جملة لاهثة إذ يقول : ( نغم جياش سريع الإيقاع تلهث خلفه أنفاس القارئ ليلاحق هذا المد الزاخر الممتد إلى شواطئ بعيدة ) ، هذه بالفعل جملة لاهثة تتقطع معها الأنفاس فلا نكاد نلتقط نفسا بين كلمة وأخرى في هذه العبارة .
وفي قراءته لديوان للشاعر أحمد لطفي يحدثنا الشاعر الناقد الكبير د. حسن فتح الباب عن التناص والرؤية وتعريفه عند البنيويين ومخالفة النقاد العرب القدامى لهذا التعريف ثم يقول : ( في رأينا ، أنه يمكن التوسع في هذه الفكرة ، بحيث تشمل التوازي بين الأدب والفنون الأخرى غير اللسانية .... ) ، وبيَّن الفنون الأخرى في الرسم والموسيقى والمسرح وعقد مقارنة بين التناص في الأدب والفنون الأخرى ، مما يعني أنه ليس مجرد ناقد يقرأ ويحلل فقط إنما هو أيضا وبحق صاحب رؤية تفرض نفسها إذ يقول في موضع آخر : ( لقد اكتشفت أن هذا الشاعر الصديق يؤمن معنا بأن الفنون كلها تنبثق من نبع واحد وتؤول أيضا إلى مصب واحد ) وهو هنا يتحدث عن نفسه وعن رؤيته لا عن جموع الشعراء أو الأدباء .
لا نعرف كيف أتته تلك الفكرة العبقرية التي أوحت إليه باستكناه دلالات الحروف ، فهو في تحليله لبحث الشاعر الدائم عن الهوية يقول : ( ونلاحظ بدء جملة أبيات من القصيدة بحرف الألف الدال على الاستقامة في المسيرة ) ويحصي أحد عشرة كلمة تبدأ بحرف الألف الدال على الاستقامة ، ثم يقول : (ومن ثم يمكن أن نعترف مع بعض البنيويين بل البلاغيين العرب المفسرين للقرآن بسحر الحرف).
وفي قراءته ديوان عبد المنعم عواد يوسف نرى الشاعر الناقد د. حسن فتح الباب يذهب في اتجاه إنصاف هذا الشاعر الكبير من غُبْن تاريخي وقع عليه فيبين لقارئه أن النقاد والباحثين قد نسبوا ريادة الشعر الحر إلى صلاح عبد الصبور ومعه آخرون نظرا لشهرتهم برغم سبق شعراء آخرين لهم فيقول : ( غير أن هنالك شاعرا كبيرا سبق هؤلاء جميعا في كتابة القصيدة المتحررة ، وهو عبد الرحمن الشرقاوي في قصيدته " من أب مصري إلى الرئيس ترومان " ، ولكن هذه الحقيقة غابت عن الذاكرة ) ، ونعرف حقيقة أخرى إذ يقول : ( والحقيقة التي لا يشار إليها أن الشاعر عبد المنعم عواد يوسف هو الأسبق تاريخيا من عبد الصبور وسائر من أبدعوا تلك القصيدة في الخمسينات من القرن الماضي من الشعراء المصريين باستثناء الشرقاوي ) ، ثم بتناول تاريخ هؤلاء مع الشعر الحر وصولا إلى تأكيده نشر عبد المنعم عواد يوسف قصيدة "وكما يموت الناس مات " سنة 1953 وكان قد كتبها سنة 1952 وأنه قد نشر قبلها قصيدة بصحيفة (الزمان) .
أما عن قراءته في القصيدة فهو يتوقف كثيرا عند دلالات الحروف والأفعال فيفسر أداتي النفي (لا) و(لم) مثلا بقوله : ( ويضفي الشاعر بتكرار أداتي النفي (لا) و(لم) جوا من الفراغ الموحش الذي يؤطر المكان للدلالة على الموت ... ) ثم ينبهنا إلى إيقاع حرف التاء في القافية مرة بالمد وأخرى بالتسكين ودلالته في الحالتين موضحا أنه : ( يدل على صوت النشيج المتقطع أحيانا والقاطع الباتر أحيانا ) ثم يعقب : ( كما يدل انسياب الأصوات على انتشار أصدائها عبر الفضاء كله أرضا وسماء ) . ومن ثم يأخذنا إلى دلالات الأفعال وملاحظته استعمال الشاعر للفعل المضارع معللا بقوله : ( وذلك بقصد إضفاء الحياة على المشهد ، والتعبير عن التفاعل بين الشخوص والأحداث ) ، ثم يعود لدلالة حرف النون الحانية الموحية بالسكون والشجن في مقطع آخر من القصيدة .
يقرأ الشاعر الناقد الكبير د. حسن فتح الباب ديوان عبد الله شرف من زاوية جديدة إذ يبدأ بجملة " على وزن الهزج " ثم يبين للمتلقي أنه وزن يناسب طابع القصيدة الشجي التي يشبهها بالترنيمة وقربها من السوناتا ، ثم يسترسل في قراءته حتى نجد أنفسنا أمام مصكوكة جميلة أخرى فيقول : ( فهي أنفاسنا ترددت في صدر الشاعر ثم تهدجت على شفتيه أنشودة رقيقة حزينة وثائرة في الوقت نفسه ) . ثم يستهويه مرة أخرى استقراء دلالات الأفعال المعبرة عن الخيال والأخرى الدالة على الحقيقة المُرَّة في الواقع ويقول : ( وفي الأبيات الأخيرة تختفي الأفعال المعبرة عن الأخيلة الرفرافة " تخط ، تجمِّل ، ترسم " لتظهر الأفعال الدالة على الحقائق المفزعة على أرض العاصمة البوسنية " يغلي ، تنز ، تهز ، تسأل ، تطوي " .... ) .
ولا يفتأ الشاعر الناقد الكبير يصك عباراته المدهشة في قراءته ديوان ( مزامير الحب ) للشاعر محمد البخاري فيقول : ( ... بلورات دقيقة شفيفة من أصفى وألمع ما ادخرته النفس الشاعرة المصرية ، ويعود إلى لعبته الأثيرة في ثبر أغوار الكلام ودلالاته إذ يقول : ( وكعهدنا بالبخاري في إيثاره الجمل الاسمية ، مما يدل على سمة الوضوح عنده ، يبدأ غنائيته بالأسماء المتوالية يعقبها بالفعلين الماضي والمضارع المعبرين عن حركة الذات بين الآخرين وحركة الطبيعة ) ، فعند الدكتور حسن فتح الباب لكل كلمة أو حرف دلالة لا يفوِّتها ، ثم يذهب إلى : (الصباحات والأمسيات ، بين رعشة الأضواء وترداد الأصداء ) في جناس رقيق وإن كان ناقصا.
ونلاحظ أيضا أن الشاعر الناقد الكبير د. حسن فتح الباب لا يكتب فقط نقدا أدبيا عند قراءته في أعمال الأدباء ، بل نجده يكتب في الجغرافيا والتاريخ والإحصاء باذلا جهدا مضاعفا في هذا ، ففي تحليله لأعمال نيرودا نراه يبدأ باسم بلدة صغيرة في شيلي هي مسقط رأس الشاعر ثم يسرد لمتلقيه تاريخ هذه البلدة ثم يسهب في وصف طبيعتها وغيرها من البلدات التي عاش فيها أو زارها نيرودا وصفا ينقل القارئ إلى هذه الأماكن أو كأنه يراها في مشهد سينمائي مصور ، فهو يصف الينابيع والتضاريس والشمس والبحر والجبل والمطر ثم البشر من فلاحين وعمال ، وهو بعد هذا يمنحنا ثبتا إحصائيا موثقا لكل أعمال بابلو نيرودا فيحصي لنا كل أعماله منذ سنة 1918 حتى آخر أعماله في سنة 1972 . وعلى هذا النحو يتناول الأستاذ أعمال الشعراء محمود أمين العالم وأحمد لطفي ومحمد توفيق ومحمود توفيق وعبد المنعم عواد يوسف وعبد الله شرف ومحمد البخاري وعبد العليم إسماعيل وحزين عمر ويوسف حسني ، أحد عشر شاعرا بسط أمامنا الشاعر الناقد الكبير الدكتور حسن فتح الباب سيرتهم كاملة أدبيا وجغرافيا وتاريخيا وإحصائيا . ولئن أعدنا قراءة هذا الكتاب مرات لاستطعنا أن نخرج برؤى أخرى كثيرة تختلف وتستكمل هذه الرؤية .
هاني الزيني
31/7/2011

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق