بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 28 يناير 2012



ما أتعس الليلة والبارحة
لماذا قام المصريون بثورتهم العظيمة في مثل هذا اليوم من العام المنصرم ؟ ، سؤال قد يبدو تقليديا وقد تكون إجابته أيضا تقليدية ، قامت الثورة من أجل القضاء على الظلم والطغيان والفساد ، قامت من أجل الحرية كهدف رئيسي يترتب عليه بقية أهدافها ، كان من بين هذه الأهداف القضاء على سيطرة الحزب الوطني الذي تم حله وإنهاء طغيان الجهاز الشُرَطي الذي يقوم على القمع وتلفيق التهم بالباطل . قامت الثورة فأسقطت ذلك الحزب الذي سيطر وهيمن على الحياة السياسية واحتكر الحريات التي سلبها من كافة القوى السياسية على مدى ثلاثة عقود إلى أن بلغ به الفجور مبلغا رائدا ، وصل به السفه الغبي إلى تزوير الانتخابات البرلمانية الأخيرة في عمره المدد مستبعدا كل القوى المعارضة بدءً بالمستقلين مرورا بالأحزاب الرسمية وانتهاء بالجماعة التي كانت محظورة ظلما وعدوانا .
أسقطت ثورتنا العظيمة رأس النظام وسقط معه ذلك الحزب اللعين وقبله كسرت أنف جهاز القمع الشُرَطي ، ثم جرت مياه كثيرة في نهر مصر على مدار عام من عمر الثورة ، وكان من بين القليل الذي أنجزته أن منحتنا برلمانا جيدا بانتخابات حرة فعلا ونزيهة بلا شك وإن شابها بعض العوار الذي جعلها غير عادلة برغم نزاهتها . جاءت لنا هذه الانتخابات بأغلبية دينية متمثلة في حزب الإخوان المسلمين ( الحرية والعدالة ) يليها حزب التيار السلفي ( النور ) مع أقلية هي خليط من المستقلين وبقية الأحزاب الأخرى من اليمين إلى اليسار . ولم تمثل هذه النتيجة صدمة للمراقبين فقد كانت متوقعة وإن بنسب مختلفة عما تحقق بالفعل .
انعقدت الجلسة الافتتاحية المسماة الجلسة الإجرائية ، فما الذي جرى في هذه الجلسة والجلسة التالية لها ، كان أول القصيدة انتهاكا واضحا وصريحا لنص القسم بدأه أعضاء حزب النور وثنَّى عليه أعضاء مستقلون ، إذ أراد كل منهم أن يؤدي القسم كما يحلو له بحسب خلفيته السياسية أو الدينية فأضاف من تلقاء نفسه كلمات دينية أو ثورية مما حدا برئيس الجلسة إلى التنبيه بالالتزام بنص القسم القانوني والأمر بحذف الإضافة من المضبطة . بعد هذا تم الإعلان عن فتح باب الترشح لرئاسة المجلس والوكالة فأعلن أربعة من النواب رغبتهم في الترشح للرئاسة وأعلن رئيس الجلسة البدء فورا في التصويت ، إلا أن هذا لم يكن مرضيا لأحد المترشحين مطالبا بأن يُعَرِّفَ كل منهم بنفسه قبل بدء التصويت ، وهو حق له وإن جاء مخالفا للائحة ، وأرى أن القصور في اللائحة وليس في طلب هذا العضو ، فمن الطبيعي أن يتعرف المصوتون على من سوف يدلون بأصواتهم لهم ، هنا وفي هذه اللحظة اعترض نواب حزب الأغلبية دون سبب وجيه وتبعهم رئيس الجلسة وحدثت المشادة التي شاهدناها بين العضو والمنصة والقاعة إلى أن استطاع هذا العضو أن يقتنص حقه اقتناصا ، واستُكمِلَت الجلسة بانتخاب الرئيس والوكيلين .
في الجلسة التالية التي مقررا فيها انتخاب رؤساء اللجان الفرعية حدث ما كان الجميع يخشاه ، ظهرت النوايا الحقيقية لحزب الأغلبية في رغبته أو قل طمعه في الاستئثار برئاسة جميع اللجان متحالفا مع إلفه حزب النور في تقاسم هذه اللجان ، مما جعل الأحزاب الأخرى والمستقلين ينسحبون من الترشح رافضين تربيطات الأغلبية التي كان يمارسها الحزب المنحل قبل الثورة ، والتي كان من أهم مظاهرها إعلان حزب الأغلبية تأكيد تشكيله خمس عشرة لجنة قبل إجراء التصويت على رئاستها خارج جدران البرلمان .
ثم كانت الطامة الأخرى بعد ذلك في ممارسة الأغلبية لعبة الإقصاء التي طالما عانوا منها في الماضي ، فقد كان من بين المترشحين لرئاسة إحدى اللجان سيدة ، فما كان من الأغلبية الدينية إلا رفض ترشحها إعمالا مخلا لمبدأ عدم ولاية المرأة وتم استبعادها بالفعل ، أي عار هذا ؟! ألا يدرك هؤلاء السادة الجُدُدْ أن المرأة المصرية مثلت رقما فاعلا في ثورتنا المجيدة ، إن المرأة المصرية كانت بالفعل هي الرقم الأصعب والأكبر في هذه الثورة ، فقد كان حضورها قويا وطاغيا على مدار هذا العام من عمر الثورة منذ بدايتها حتى اليوم ، شاركت الفتيات في اليوم الأول مرورا بكل أحداث العام بدءً من كارثة كشف العذرية إلى طامة السحل في الميدان ، لقد ضحت المرأة المصرية كما لم تضح امرأة في العالم من أجل وطن حر أبيّ ، ومن لم تشارك منهن بالخروج إلى ميادين الحرية والتحرير في أرجاء مصر كانت أما أو زوجة أو ابنة أو أختا لبطل أو شهيد أو مصاب ، فخلف كل رجل من هؤلاء أربع نساء يساندنه ويؤيدنه ، يفرحن به أو يبكينه ، ألا يستحي هؤلاء .
جاء يوم 25 يناير 2012 ذكرى الثورة المجيدة ، عمل الحكام على إلهائنا بوهم العيد والفرحة ناسين أو متناسين جراحنا التي لم تلتئم بعد ، متجاهلين دماء شهدائنا على أسفلت الثورة ، وعيونهم لا ترى عيونا قد فُقِئَت ، لكن هذا لم نكن نستبعده منهم ، ما فاجأنا هو ما قام به حزب الأغلبية الجديد ، حزب الجماعة التي كانت محظورة فحررها شهداء ومصابو يناير وما بعده ، لقد تجاهل هذا الحزب هؤلاء الذين لولاهم ما كان يحلم بمجد كهذا ، لولاهم ما عرفوا طريق الأمل وما رفعوا هاماتهم مستعلين بها علينا وعلى هؤلاء الأبطال الأبرار ، وجدناهم يستَبِقون الجميع إلى الميدان واحتلاله للسيطرة عليه والاحتفال بما حققوه فقط لأنفسهم من الحرية وأغلبية البرلمان ، ناسين أو متغافلين مرة أخرى عن أولئك الذين منحوهم هذه العطية متمثلة في الحرية والبرلمان ، متجاهلين جراح الوطن والأمهات ، تلك الجراح التي لم يتحقق الكثير مما بُذِلَت من أجله .
ما أشبه الليلة بالبارحة ، ما أتعس الليلة والبارحة ، بالأمس كان طغاة الشرطة يعملون على تفريق المتظاهرين بشتى أساليب العنف ، فما كان من الثوار الأحرار أبطال يناير إلا أن كسروا شوكتهم وأجبروهم على الخروج من الصورة نهائيا ، أما الليلة فقد استولى شباب حزب الأغلبية بأوامر من مرشدهم على الجانب الشرقي للميدان بأعداد كبيرة وراحوا يعدون العدة للاحتفال والفرح ونصبوا مشرحهم ليعرضوا عليه مسرحيتهم الهزلية التي افتتحوها بعلم غير العلم ، رفعوا علم جماعة الإخوان متجاهلين علم الحرية علم الوطن ، ثم كان العرض الهازل برفع شعارات تدعو إلى تحرير فلسطين والتوجه إلى إسرائيل لتحرير القدس ، هزل في مواضع الجد ، أعلنوا الاحتفالات والأفراح رافعين لافتات تمجد مجلس العسكر وتشكره على ما قدم للوطن من جراح خللا عام كامل من عمر الثورة ، الأدهى والأَمَرَّ محاولتهم منع الثوار من الهتاف ضد العسكر وما فعلوه بنا ، كانوا حتى يمنعونهم من الاقتراب من منصتهم " مسرحهم " وأماكن لهوهم حتى لا يعكر الثوار الأحرار صفوهم ويكدروا أفراحهم .
لكن ما أشبه الليلة بالبارحة فعلا ، فكما فعل الثوار بمن حاولوا قهرهم من قبل ، فعلوا مع من سولت لهم أنفسهم الليلة أن يمنعوهم من الاحتفاء بشهدائهم واستكمال ثورتهم ، لقد نسي المفتئتون أن الكثرة تغلب الشجاعة ، فما بالهم بكثرة تتسم بالشجاعة أيضا ، كانت أعداد المحتفلين في الجانب الشرقي كبيرة إلى حد ما ، لكن شتان الفارق في العدد بينهم وبين من كانوا في وسط الميدان وعلى الجانب الغربي منه ، وإن كنت أرى أن هذا تقسيم ممقوت لقوى من المفترض أن تكون على قلب رجل واحد من أجل استكمال وإنجاح ثورتنا التي مازالت تحبو في اتجاه تحقيق أهدافها وآمالها ، لكن هذا ما حدث وما أرادته الأغلبية البرلمانية ، إنما كان للأغلبية الثورية والشعبية رأي آخر ، فرضوا سيطرتهم على كل أرجاء الميدان مجبرين هؤلاء على التوحد معهم والالتحام بهم .
26 يناير 2012