هذا يأخذنا إلى الحديث عن إعادة بناء الجيش المصري والقوات المسلحة ، فبعد الهزيمة التي لحقت بنا في 5 يونيه 1967 رأى بعض الخبراء العسكريين في أنحاء العالم أن الجيش المصري قد يستغرق جيلا كامل لاستعادة قدرته ولياقته الكاملة ، بينما كان العدو الصهيوني يقول إن مصر لن تقوم لها قائمة قبل أقل من 30 عاما ، ولم يكن هؤلاء يعرفون معنى العقيدة القتالية عند الجندي المصري ، فالجندي المصري يقاتل بعقيدة ثابتة دفاعا عن شرفه العسكري وذودا عن أرضه التي تمثل له العِرض تماما ، ولم تكن حرب الاستنزاف كما ذكرنا إلا المرحلة الأولى من مراحل إعادة البناء والتدريب والإعداد ، وقد تبلورت رؤية الرئيس جمال عبد الناصر في ضرورة التسخين الدائم للجبهة وتنشيط مستمر للعمل العسكري ليشعر العالم بخطورة الأزمة في المنطقة وتذكير العرب والمصريين باستمرار المعركة وهو ما من شأنه تحسين صورة الجيش المصري أمام الأمة العربية والمجتمع الدولي .
كان من الضروري تماسك الجبهة الداخلية وصلابتها وتنشيط العمل الدبلوماسي في الخارج ، وتعويض خسائر الهزيمة من العتاد بمعدات أكثر تقدما ، ثم الأهم وهو بناء الإنسان المقاتل الذي بدونه لا يجدي تحديث السلاح أو زيادته ، وقد اعتمد بناء المقاتل على إزالة الآثار النفسية السيئة لرفع معنويات الجنود واستعادة الثقة بأنفسهم وقادتهم وأسلحتهم ودعم إيمانهم بأن الإنسان هو الذي يحارب وينتصر وليس السلاح الأصم . وقد لجأ الجيش إلى تجنيد حملة المؤهلات العليا والمتوسطة لاستيعاب التدريب على الأسلحة الحديثة ، ومن ناحية أخرى كان التدريب يجري على خط المواجهة وأيضا في الداخل في المناطق المشابهة بمشروعات وعمليات وتجارب مستمرة على اقتحام مانع مائي تم تنفيذه في إحدى المناطق الصحراوية جنوب القاهرة . وفي هذه الأثناء كانت الدولة تعمل على تحديث الأسلحة وزيادتها لكي تتناسب ولو جزئيا مع سلاح العدو والعمل أيضا على تنويع مصادر السلاح حتى لا تقع مصر تحت رحمة مصدر واحد .
( المصدر : يحيى الشاعر ، مؤرخ عسكري ، مواقع مختلفة ) .
في 28 سبتمبر يرحل الزعيم جمال عبد الناصر ليحمل الرئيس محمد أنور السادات المسئولية على عاتقه ، وكان عليه أن يستكمل ما بدأ من قبل من الاستعداد لحرب كبيرة تحرر الأرض وتمحو عار الهزيمة ، فكان أول ما فعله أن طلب تقارير وافية وتفصيلية من المخابرات المصرية عن حالة جيش العدو وقدراته وتسليحه ، ثم يبدأ بتنفيذ المرحلة الأولى من الخطة الإستراتيجية للحرب القادمة وهي خطة الخداع التي استطاعت الأجهزة المعاونة للرئيس السادات من خلالها إيهام العدو الصهيوني بأنه رجل ضعيف لا يقو على الحرب ويخشى أن يصل القتال إلى القاهرة وذلك من خلال بعض الكلمات المدسوسة في خطاباته وصوره المنشورة في وسائل الإعلام ، كما تم الإيحاء بضعف الاقتصاد المصري وأنه لا يحتمل خوض الحرب ، ومن الناحية السياسية إظهار الإذعان لحالة اللاحرب واللاسلم والحديث عن عام الضباب وعام الحسم وإخراج الخبراء الروس بالإضافة لأحداث أخرى كثيرة استمرت على مدى ثلاث سنوات مع اختيار التوقيت المناسب لكل حدث مثل منح إجازات لأعداد من الجنود وسفر بعض القادة لأداء العمرة وزيارة وزير الحربية لليبيا ، كل ذلك مع الاستمرار في التدريب الجاد والشاق لقوات الجيش .
وفي السادس من أكتوبر 1973م الموافق العاشر من رمضان 1393هـ في الثانية إلا خمس دقائق ظهرا ينطلق أكثر من ألفي مدفع ميداني بغطاء جوي من أكثر من مائتي طائرة ليدك حصون العدو على الضفة الشرقية لقناة السويس ، ثم تُمَد الجسور لعبور الدبابات والمدافع الثقيلة فوق أكبر مانع مائي في العالم وتحطيم أقوى خط دفاعي صناعي بعد خط ماجينو ، ويتم رفع العلم المصري فوق خط بارليف ، وتستمر الحرب لتحطم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر ، إلى أن تتدخل أمريكا لوقف الحرب بناء على صرخات الاستنجاد الصادرة عن قادة الجيش المقهور ، ويتوقف القتال في نهاية مايو 1974 بعد اتفاق فصل القوات .
لقد شهدت هذه الحرب بطولات غير عادية من أسود جيش مصر الوطني الذين استماتوا من أجل تحقيق نصر غالٍ وعزيز يتم تدريسه الآن في معظم المعاهد العسكرية في العالم ، فعلى سبيل المثال لا الحصر كان الطيارون يصطدمون بطائراتهم في الأهداف المستعصية لضمان تفجيرها ومنهم صبحي الشيخ وعاطف السادات ، ولا ننسى عبد العاطي صائد الدبابات ، والعقيد محمد زرد الذي ألقى بقنبلة في فتحة التهوية لآخر حصن لم يكن قد سقط من حصون بارليف ثم ينزلق بجسده داخل الفتحة محاولا تصفية من بداخله فيمطره جنود العدو بزخات من الرصاص تُخرِجُ أحشاءَه فيتأكد جنوده من استشهاده إلا أنهم فوجئوا به يخرج من باب الحصن ممسكا بأحشائه بيديه فيجليه جنوده ليلمس العلم الطاهر قبل أن تصعد روحه إلى بارئها ، ثم أسد سيناء العريف سيد زكريا خليل الذي يشتبك في إحدى العمليات بصحبة زميل له مع أطقم ثلاث دبابات ليقضيا على اثنين من جنود الحراسة ثم تتقدم بقية مجموعة سيد زكريا لتنقض على الدبابات والفارين منها ، ثم يتم هجوم آخر بواسطة إبرار جوي شرس فيقتل أسد سيناء 22 من الجنود الإسرائيليين وتستمر المعركة بالإمداد الإسرائيلي ويستشهد جميع أفراد المجموعة المصرية عدا سد زكريا وزميله في مواجهة عدة طائرات ومائة مظلي حتى تنفذ ذخيرتهما ويستشهد أسد سيناء ، ولابد من ذكر الشهيد أحمد حمدي الذي أبطل آلاف الألغام وأقام نقاط المراقبة بأبراج حديدية على الشاطئ وغيرها من العمليات الهامة والمؤثرة قبل أن يفجر نفسه في كوبري الفردان حتى لا يعبر فوقه جنود العدو ، وإبراهيم الرفاعي أسطورة العمليات الخاصة ومحمد المصري الذي دمر 27 دبابة بثلاثين صاروخا فقط وأَسَر أشهر أسير إسرائيلي عساف ياجوري ، وبعد ، هذا غيض من فيض بطولات أسود جيش مصر الوطني الحر الأبي .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق