بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 4 يونيو 2011

رجل رشيد

في أسيوط وفي عامنا الجامعي الأول كان عام 1979 يلفظ أنفاسه الأخيرة ونحن معه نختنق ، فقد اندلعت حرائق كثيرة ، حرائق مادية وأخرى معنوية ، بدأت بمجموعات من الشباب ذوي اللحى ينتشرون داخل أروقة الجامعة يحاولون تفريق تجمعات الطلاب التي تتكون من زملاء وزميلات بدعوى تحريم الاختلاط ، ثم الاعتداء على البعض بشكل عنيف ، هذا داخل الجامعة ، أما خارج الجامعة فحدث ولا حرج ، فقد انتشرت الحرائق في عدد كبير من الأماكن العامة وأماكن الترفيه البريء ، ولا أنسى متنزه ( كازينو الشجرة ) الذي كان عبارة عند حديقة كبيرة مفتوحة تتراص فيها الموائد ويرتادها أهل المدينة وبعض الشباب من طلاب الجامعة ، كان تقريبا المتنفس الوحيد في المدينة في هذا الوقت ، استيقظنا ذات صباح على خبر احتراق هذا المتنزه الجميل الذي أتت عليه النيران وسوته رمادا بالأرض ، كما انتشرت أيضا حرائق محلات الفيديو ، ثم بدأ يظهر على السطح مبدأ غريب قالت به هذه الجماعات وهو مبدأ الاستحلال الذي انتشرت على أثره سرقات محلات الذهب والمجوهرات بشكل مروع .
وتسير بنا الأيام لنشهد كوارث جمة من هجوم على مراكز الشرطة والعاملين بها ، ثم الهجوم على ديوان محافظة أسيوط ومحاولة احتلاله ، كان عام 1980 قد انتصف تقريبا ، وفيه بدأ الهجوم على الطلاب الأقباط ، فقد رأيتهم بعينيّ وهم يلقوم أمتعة الطلاب المسيحيين في المدينة الجامعية لجامعة المنيا ، كانوا يلقونها من النوافذ في الطوابق العليا ، كنا نعرهم بالاسم ، نعرف أسماءهم جميعا فمعظمهم كانوا من أبناء المنيا ، لقد عشنا أياما قاسية من حصارهم للمدينة وحصار قوات الأمن لهم . وتتسارع الأحداث على هذه الوتيرة إلى أن نفيق على حادث جلل في أكتوبر من هذا العام ، لقد اغتالت الأيدي الآثمة الرئيس البطل .
تمر السنون ويقضي القتلة عقوبتهم ويخرجون علينا فيستقبلهم إعلام الثورة العظيمة استقبال الأبطال الفاتحين ، فقد رأينا عبود الزمر نجما إعلاميا على جميع الفضائيات بلا استثناء وعلى صفحات الجرائد والمجلات ، ووجدناهم يتحدثون عن مستقبل سياسي ودور فاعل في الحياة السياسية والاجتماعية ، فنجدهم يعيدون تأسيس جماعتهم ويجتمعون وينتخبون قادة لهم ويعيدون تنظيم أنفسهم على اعتبار أنهم فصيل سياسي طبيعي ، ثم تمر مصر في الأيام الأخيرة بمأساة الفتنة الطائفية المدبرة بدءً من قنا وانتهاء بفاجعة إمبابة ، ولا يجد أهل العقد والحل من المسئولين عن هذا البلد الذي ما كاد يفرح بثورته حتى كادت أيدي الجبناء أن تطفئ نور فرحتنا ، لم يجد هؤلاء سوى أولئك القتلة ليودعوهم أمانة هذا الشعب طالبين منهم العمل على التهدئة والمصالحة وتقبيل الأكتاف ، وإذا بنا نفاجأ باستدعاء محافظ أسيوط نفسها التي اكتوت أيّما اكتواء بنارهم كما ذكرنا في أواخر سبعينات القرن الماضي لعبود الزمر ، يستقبله الرجل استقبال الأبطال ويصمت على أداء التحية العسكرية له من أحد الجنود في حضرته ، ويعتذر عبود عن عدم حضور أخيه طارق لها اللقاء حيث أنه الآن يتواجد في إمبابة للمصالحة بين أطراف الكارثة هناك .
أيّ عقل هذا الذي يدفع جميع وسائل الإعلام مقروءة ومرئية ومسموعة إلى التعامل مع القتلة على أنهم مجموعة من الأبطال الفاتحين ؟ ، أي عقل هذا الذي يجعل حكومة جاءت من رحم الثورة لتستعين بقتلة ومتطرفين لحل مشاكلها ؟ أي عقل في دولة ننشدها مدنية ذلك الذي يطلب الحلول العرفية ومجالس الصلح على أيدي هؤلاء . يا أيها القوم ، يا أيها الناس ، أليس منكم رجل رشيد .
هاني الزيني 15/5/2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق