بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 4 يونيو 2011

إنسان وأستاذ

إنسان وأستاذ
قادني حسن حظي إلى لقاء قصير وسريع مع الشاعر الكبير الدكتور حسن فتح الباب ، كان ذلك منذ ثلاث عشرة سنة عندما استدعاني لطباعة بعض أعماله ، ذهبت إليه ووقفت أمامه على استحياء حتى دعاني للجلوس ، جلست على طرف المقعد لشدة رهبتي ، فهو رغم ملامحه الطيبة الرقيقة إلا أن له هيبة العلماء ، انتهى هذا اللقاء سريعا بعد اتفاقنا على لقاء قريب .
تكررت لقاءاتنا كثيرا فيما بعد وتحولت علاقتي به إلى صداقة حميمة وبنوة ثقافية ، وأول ما عرفت عنه أنه شاعر العناة الفقراء الذين تطحنهم الحياة يوميا فلا تكاد تخل قصيدة أو مقالة من فقرة يوليهم فيها عنايته ، إنه أيضا واحد من أعظم شعراء المقاومة فقد أفرد عدة دواوين في شعر المقاومة ، ومن المفارقات الكبيرة في حياة هذا الشاعر الجهبذ أن يرتدي الشاعر الرقيق رفيق العناة والمعذبين في الأرض والمتحدث باسمهم زينا يناقض هذه الروح السمحة الرقيقة ، إنه زي ضابط الشرطة الذي يفرض عليه سمتا آخر لكنه دائما ينحاز إلى الشاعر بداخله في مواجهة الضابط .
إننا أمام شاعر موسوعي أصدر ما يقرب من ثمانين مصنفا أغلبها دواوينه الشعرية وكثير منها في مجالات أخرى فقد كتب عن السفارة في الإسلام وعن البريد وموضوعات أخرى كثيرة . أما على الصعيد الإنساني فهو كتلة من المشاعر الفياضة بالحب يوزعه على كل من جالسه بأكثر مما يحتمل المتلقي ، هو أيضا ناقد معلم يشجع كل من يتوسم فيه موهبة ، فقد كتب مئات المقالات النقدية لعدد غير محدود من الشعراء الشباب يشجعهم ويحثهم على الاستمرار والتجويد .
أما تشجيعه لي أنا شخصيا فلا يسعني إلا أن أقول إنه صاحب الفضل الأول والوحيد عليّ ، فأول ما تعلمت منه كان كيف أقرأ الشعر وأتذوقه ، وكيف أراه أيضا فقد تعلمت منه معنى أن قصيدة تحفل بالصور والمشاهد ، كنت على مدار السنوات الرائعة التي قضيتها في صالونه دائم السؤال وكان هو دائم الإجابة باستفاضة ، إنه يفيض عليّ من بحر علمه المحيط ، كان الحديث يتفرع بنا كثيرا في كل الاتجاهات ، كان يجرنا الحديث إلى السياسة والأدب والشعر ، وفي كل مرة أشرف بزيارته كان لا يكل من تشجيعي على الكتابة واستمر حثه لي قرابة الأربع سنوات دون أن ينفد صبره عليّ ، دائما ما كان يسألني لماذا لا تكتب فأنت تملك ثقافة جيدة ومتحدث بلغة معقولة ولكن ما ينقصك أن تثق في نفسك وفي أنك قادر على الكتابة ، إلى أن انفجرت ثورة الشباب في يناير 2011 ، فأمسكت بقلمي مدفوعا بتشجيع أستاذي وكتبت أول مقالة وعرضتها عليه ، فوجدت منه فرحة أب بمولود له وسعادة أستاذ بنجاح تلميذه ، لقد أطراني كثيرا وشجعني على الاستمرار حتى كتبت سبع مقالات وقصة قصيرة وما زلت أحاول الكتابة ، هكذا يكون الأستاذ المعلم .
2/6/2011


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق