بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 4 يونيو 2011

القصور


لكل مجتمع هويته الثقافية التي هي روح الأمة التي ينتمي إليها ، فالأمة تستمد خصائصها من هذه الثقافة التي تميزها ، وتعني الثقافة بالارتقاء بالمجتمع فكريا وأدبيا واجتماعيا ، وهي ليست مجرد أفكار إنما هي أيضا سلوك وطبائع تتميز بها الأمم عن بعضها البعض بما تحمله من قيم وعقائد ومبادئ وتقاليد وقوانين وفنون وغيرها من المعارف . ومن خصائص الثقافة أيضا أنها ظاهرة إنسانية تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات ، وهي التي تحدد علاقات الإنسان مع الآخرين ومع الطبيعة وتفاعله معها ، وهي أيضا أساس الحياة الاجتماعية للأفراد ، كما أنها عملية إبداعية من خلال التفاعل مع الواقع ، وهي تراكم تاريخي يتجدد باستمرار .
تتميز مصر بأنها دولة ذات حضارة وثقافة ضاربة في عمق التاريخ ، فمنذ قيام الدولة في مصر بكل درجاتها ومراحلها بدءً بدول عصور الأسرات في مصر الفرعونية وحتى تأسيس الدولة الحديثة على يد محمد علي كانت لها في كل عهد من هذه العهود ثقافة تميزها ، فنجد مثلا أن قدماء المصريين كانوا أول من فكر في الفلك والطب والرياضيات والرياضة والتدوين ، وامتلكوا ناصية الأدب والكتابة ، وليس أدل على ذلك من رسائل الفلاح الفصيح التي كان الحاكم يتعمد تجاهل تنفيذ ما يجيء بها من شكاوى حتى يستزيد من بلاغة وفصاحة هذا الفلاح برسائل أخرى وأيضا تمثال الكاتب المصري وغيرها حتى أنهم برعوا في فن الكاريكاتير ، ثم جاءت الثقافة القبطية بما خلفته لنا من آثار عظيمة رغم ما عاناه أقباط مصر على أيدي الرومان ، ثم الثقافة العربية والإسلامية بما أرسته من أسس فكرية وأخلاقية وعلمية نهل منها الغرب كثيرا .
من هنا ندرك أن مصر أمة ذات ثقافة عريضة وتجربة ثقافية متميزة وممتدة منذ القدم ، لكننا ولأسباب عديدة وممتدة أيضا نلاحظ مدى فقر الأجيال الحديثة والشابة ثقافيا ، فلا نجد الآن المنافذ الثقافية التي توفرت لجيلنا والسابقين علينا ، فلو أخذنا مثالا من الحقبة الستينية من القرن الماضي فسنجد أن مصادر الثقافة والتنوير كانت كثيرة جدا ، وكان أهمها المسرح الذي قدم لجمهور هذا الزمن أهم الأعمال العالمية والمحلية التي عملت على تنويره وتوعيته ، انتشرت أيضا في هذه الحقبة قصور الثقافة التي كانت أكبر بؤرة تنويرية في وقتها .
دعني أحدثك عن تجربتي مع قصور الثقافة ، لقد ارتدت قصر الثقافة في مدينتي وعمري لم يتجاوز بعد السابعة ، كان أبي رحمه الله يذهب بانتظام إلى هذا القصر لممارسة نشاطه الأدبي والفني وكان يصطحبني معه ، فماذا كنت أرى في هذا القصر الجامع ، لقد قضيت في هذا القصر سنوات كثيرة من عمري مررت خلالها على كل أقسام الأنشطة ، كان أبي رحمه الله بمجرد وصولنا إلى القصر يذهب بي إلى المكتبة ، وما أدراك ما المكتبة ، كنت أشعر داخلها برهبة عظيمة رغم صغر سني ، كانت المكتبة كبيرة جدا متسعة جدا مرتفعة جدا حتى أنني كنت أشعر داخلها أنني عقلة الإصبع الذي كانت جدتي تحكي لنا حواديته ، كانت كل جدرانها أرفف تحوي كنوزا ، بالطبع لم أكن أدرك أن ما على هذه الأرفف ثروات طائلة – ثروات فكرية بالطبع – وكان من الطبيعي أن أتجه في هذه السن إلى ركن الأطفال ، ثم فيما بعد إلى ركن الكبار إلى أن وصلت ركن أمهات الكتب ، كانت المكتبة هي نقطة البداية للقراءة والاطلاع على أمهات الكتب في كثير من التخصصات فيما بعد . ثم إذا انتهى أبي من ندوة أو نشاط كان يقوم به في هذه الأثناء ، كان يمر بي على بعض الأقسام الأخرى ، كان هناك الكثير من الأنشطة منها المسرح والفنون التشكيلية والفنون الشعبية والموسيقى والأدب والشعر وغيرها ، وكل نشاط من هذه الأنشطة يضم فرقة أو أكثر وعددا كبيرا من الهواة والمتدربين ، كانت متعتي الكبرى أن أذهب إلى هذا القصر العظيم ، لم أكن أهتم بالنادي أو مقاصد النزهة الأخرى قدر شغفي بالذهاب مع أبي رحمه الله إلى هذا المكان الرائع .
أين الآن قصور الثقافة ، نسمع فقط عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ولا نلمس لها ذلك الدور الفعال الذي كانت تقوم به الثقافة الجماهيرية ولا نلمس وجودها القوي في المجتمع إلا بالنذر اليسير ، إن قصور الثقافة اليوم يجب أن تسعى إلى الشباب وإلى الأطفال من سن العاشرة، يجب أن تواصل ما بدأه الرواد في الستينات والسبعينات وأن تبني عليه بعد أن انكمش دورها إلى حد يكاد لا يراه أحد ، مطلوب من وزير الثقافة الحالي والقادم وكل وزير للثقافة يأتي في أي زمن أن يولي اهتماما كبيرا ومكثفا لقصور الثقافة خاصة في الوقت الذي ننتقل فيه من حقبة مظلمة من تاريخ مصر اعتمدت التجهيل والتعتيم منهجا أساسيا لها إلى عهد جديد يتجه إلى الديمقراطية ويجب أن يكون التنوير هو جُلّ همنا واهتمامنا .
24/3/2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق