منذ شبابي الباكر تجذبني المقاهي الشعبية ، فقد أدركت مبكرا أن هذه المقاهي تضم بين جنباتها روح المدينة ، ففي وسط البلد أو المدينة تنتشر هذه المقاهي وفيها تجد مختلف الثقافات الشعبية نظرا لما تحويه من فئات مختلفة من المجتمع ، هناك تجد أبناء الطبقة المتوسطة من الموظفين والشباب المتعلم كما قد يجاورك على منضدة بجانبك عامل أو فلاح بسيط ، ولأنني من عشاق وسط المدينة في أي بلد أذهب إليه فقد لاحظت أن المقاهي قد تأخذ طابعا فئويا يضم فئة معينة ، فهناك مقاهٍ لا يرتادها إلا العمال خاصة عمال البناء فهم أكثر الفئات التي تتخذ من المقهى مكانا لتصريف أعمالهم كالاتفاق على عمل جديد مع أحد صغار المقاولين أو قبض مستحقاتهم منهم إلى غير ذلك من اتفاقات إضافة إلى كون المقهى مكان الترفيه الوحيد بالنسبة لهم ، أيضا هناك مقاهٍ تستقبل فئة الكومبارس مثلا وأخرى للصم البكم وكلنا يعرف أن هناك مقاهي للمتقاعدين من وظائفهم وهي معروفة ( بقهوة المعاشات ) .
يتخذ معظم هذه المقاهي أجزاء من أرصفتها امتدادا لها حيث أن مساحاتها صغيرة أو محدودة لا تتسع لكل مرتاديها أو زبائنها ، ودائما ما يكون مكاني بين الرواد على هذه الأرصفة فهي متعة ما بعدها متعة أن تتفحص الوجوه وتسترق السمع على هذه الأرصفة ، ومن المدهش أن نجد هؤلاء الجالسين على الأرصفة مع رشفات الشاي الأسود ودخان الشيشة يتحولون في لحظة إلى منظرين ومتخصصين يفهمون في كل شيء ، فإذا بدأ أحدهم بالحديث عن الكرة مثلا تجدهم جميعا مدربين ومحللين وحكاما ويدلي كل منهم بدلوه ، وإذا تحول الحديث إلى أي موضوع آخر فلكل منهم دلوه الذي يدليه . وكثيرا ما تجد ما يدهشك في هذه الأحاديث وكثيرا أيضا ما تجد ما يثير الضحك والسخرية لكنك دائما ما تحب الاستماع إلى هذه المجادلات والنقاشات .
بعد الثورة كثيرا ما تساءلت ، ماذا فعلت الثورة بهؤلاء وماذا أضافت إليهم ، أتساءل هنا البعد الثقافي للثورة ، في البدء كان الميدان الذي جمع كافة طوائف وفئات الشعب الذي كان من سوء حظي أنني لم أذهب إليه إلا يوما واحدا لكنه كان يوما مشهودا ، كان هذا اليوم التاسع من فبراير أي قبل رحيل الطاغية بيومين ، هناك رأيت كل الناس بكل طبقاتهم ، عند المدخل الذي دلفت منه إلى الميدان وجدت شبابا بسطاء يقومون بدور الأمن في غاية الرقة والتهذيب ، زحفت إلى داخل الميدان لأجد فلاحين بسطاء وأطباء ومحامين وطلاب مدارس وجامعات وسيدات عاملات وموظفات ، رأيت على المنصة شبابا جميلا يعتذرون للمتظاهرين عن عدم قدرتهم على صياغة عباراتهم بلغة صحيحة فيقول أحدهم : ( يا جماعة اعذرونا احنا ناس عاديين مش مثقفين زيكم ) فيصفق له الحشد الموجود أمام المنصة لتشجيعه على الاستمرار ، ويصعد إلى المنصة فلاح قادم من أقصى الصعيد ليشارك في الثورة ويعبر عما يجيش بصدره ، ثم تعتلي سيدة مسيحية لنهتف معها : ( مسلم مسيحي إيد واحدة ) .
إذا عدنا إلى أيام الثورة الأولى سنجد أن الميدان كان ينطق باللغة العربية الفصحى ، فقد ردد المتظاهرون عبارات فصيحة مثل : ( اعتصام .. اعتصام حتى يسقط النظام / يسقط .. يسقط حسني مبارك / الشعب يريد إسقاط النظام / التغيير والرحيل / مبارك .. عفوا .. لقد نفذ رصيدكم / كرامة .. حرية .. عدالة اجتماعية ) . كان هذا في الميدان الذي ثقفته الثورة ورفعت درجة وعيه إلى ذرى عالية .
وعود على بدء ، ماذا فعلت الثورة بأصحاب الأرصفة على المقاهي الشعبية ، كما ذكرنا أن لكل منهم دلوه الذي يدليه ، فقد سمعت من كثير منهم ما أدهشني من حسن التحليل والنظر الثاقب للأحداث ، فمنهم مثلا من تنبأ في الأيام الأولى أن أصدقاء الطاغية في الخارج لن يتركوه يسقط بسهولة ومنهم من قال إن المشكلة ليست فيه بمفرده وبوجوب إسقاط النظام بالكامل ، ثم بعد السقوط المروع والمدوي وانسحاب قوات الشرطة المفاجئ سمعتهم يُنَظِّرون لهذا الانسحاب كما يُنَظِّر له أعتى المحللين والمثقفين ، ثم يحدث الانفلات الأمني وتنتشر الحوادث وتستفحل قوتها فأسمع من أحد أصدقاء الرصيف أجمل تحليل بعد أن تملك الفزع قلوب الناس واستبد بهم القلق ، فبين أخذ ورد وبعد أن قال كل منا كلمته فاجأني الرجل بتحليله الرائع عندما سألته رأيه ولماذا لا ألحظ قلقا في نبرته ، فقال لست قلقا بصورة كبيرة لأن الأحداث تشبه الأمواج المتلاطمة في البحر وكلما ازداد تتابع الأمواج فإن كل موجة تأتي ببعض ما يحويه البحر من مخلفات السفن الأسماك الميتة والأكياس التي يلقيها المصطافون وغيرها وتلقي بكل هذا على الشاطئ وهكذا موجة بعد أخرى يتم تنظيف البحر تلقائيا . هكذا قارن صاحبنا هياج العنف وأعمال البلطجة بهياج البحر وتلاطم أمواجه ثم هدوؤها وسحب مخلفات البحر إلى الشاطئ .
لم تكن ثورة 25 يناير مجرد ثورة لإسقاط نظام فاسد أو ثورة من أجل الخبز ، لقد كانت ثورة على كل الأوضاع السيئة التي عاشها هذا الشعب وكان من أهمها سوء التعليم وتغييب الوعي ، فقد أعادت هذه الثورة إحياء الوعي لدى الناس وبعثت فيهم روح التساؤل ومحاولة الوصول إلى إجابات على تساؤلاتهم واستفزت فيهم ملكة تفسير الأحداث وتحليلها حتى يتمكنوا من التغلب على قلقهم وبث روح الطمأنينة فيمن حولهم وحتى يشعروا أنهم أحياء يملكون هذا البلد وليسوا مجرد قطعان يحدوها الرعاة .
19/6/2011

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق