حكاية ثورة
إلى ولدنا أحمد
اسمع يا ولدي ، هذا بلدك مصر ، هبت فيه ثورة عظيمة في 25 يناير من عام 2011 ، لكن دعنا نقرأ القصة معا منذ البداية ، منذ أن قام على ولاية مصر رجل ألباني أحبها ، كان هذا الرجل هو محمد علي باشا والي مصر في زمن الخلافة العثمانية عام 1805 ( بدايات القرن التاسع عشر ) ، محمد علي هو مؤسس الدولة الحديثة في مصر التي وضعها على أول طريق التقدم ، فقد اهتم بالتعليم فأنشأ المدارس الابتدائية والعليا وأرسل البعثات العلمية إلى بلاد العالم المتقدمة ، واهتم بالصناعة والزراعة والتجارة ، هذا الرجل يا ولدي أصاب وأخطأ وكان دافعه حبه لمصر ، إذ أن أهم إنجازاته على الإطلاق هو إنشاء جيش وطني من أبناء الفلاحين . لقد حكم هذا الرجل مصر لمدة ثلاثة وأربعين عاما كان جُلُّها خيرا لها وتوفي في سنة 1848 . ثم توالى أبناؤه وأحفاده على الحكم إلى أن اعتلى عرش مصر الملك فاروق الأول في عام 1936 ( العقد الرابع من القرن العشرين ) . ثارت حول فاروق أقاويل كثيرة عن فساده وظلمه وتجبره ، أصاب قليلا وأخطأ كثيرا ، واستمر حكمه حتى عام 1952 .
اسمع يا ولدي ، نحن الآن في شهر يناير من عام 1952 ، في اليوم السادس والعشرين من هذا الشهر يا ولدي احترقت القاهرة ، فقد اندلعت النيران الهائلة وأتت على سبعمائة منشأة اقتصادية حيوية خلال ساعات قليلة من هذا النهار . كان هذا الحريق يا ولدي هو القشة التي قصمت ظهر العائلة العلوية في مصر ، كان الشرارة الأولى التي أشعلت ما عُرف فيما بعد بثورة 23 يوليو 1952 . لكن قبل الحديث عن ثورات أجدادك وآبائك المصريين العظام ، دعني أقص عليك قصة ذات دلالة ومغزى ، في يوم 25 يناير 1952 حدثت في مدينة الإسماعيلية ملحمة رائعة في حب هذا الوطن ، تعلم يا ولدي أن مصر كانت ترزح تحت وطأة الاحتلال الإنجليزي لمدة سبعين عاما ذاق خلالها أجدادك كل صنوف القهر والظلم واستنزاف ثرواته ، في هذا اليوم العظيم يا ولدي رفضت قوات الشرطة إخلاء مبنى المحافظة وتسليمه للإنجليز ودارت بينهما معركة غير متكافئة دافع أثناءها أفراد الشرطة عن أرضهم ببسالة دفاعا مستميتا رغم بدائية أسلحتهم وضعفها وقلتها حتى راح منهم خمسون شهيدا وثمانون مصابا فداء لها الوطن ، هؤلاء يا ولدي خلدهم الشعب المصري وراحت مصر تحتفل بيومهم هذا كل عام حتى صار عيدا للشرطة المصرية التي ذادت عن كرامتها وحريتها .
اسمع يا ولدي ، لكي تعرف آباءك ثوار 2011 ، لابد أن تعرف منهَلَهم الذي استمدوا منه تلك الطاقة الجبارة التي استطاعوا من خلالها إسقاط أعتى طواغيت الحكم في مصر ، لن أحدثك عن أول ثورة حدثت ، فهي ضاربة في عمق تاريخنا الفرعوني ، نحن الآن يا ولدي في عام 1919 ( أوائل القرن العشرين ) ، مازالت مصر تحت الاحتلال البريطاني منذ عام 1882 ، لقد عانى أجدادك معاناة قاسية ، كان الفقر والظلم يفوق طاقة البشر ، صودرت أرزاق الفلاحين وممتلكاتهم القليلة وزراعاتهم ومحاصيلهم وتم تجنيدهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ( الحرب العالمية الأولى ) ، ساءت الأوضاع المعيشية وانتشر الجوع والبطالة والعنف ، كما تعرض العمال ونقاباتهم لمصادرة حرياتهم بسبب الأحكام العرفية التي تمنع تجمعاتهم . كان بين أجدادك العظام يا ولدي رجل زعيم بحق هو سعد باشا زغلول الذي سعى لتشكيل وفد من المصريين للدفاع عن قضية احتلال الوطن وقام بجمع توقيعات المصريين لتفويضه بالحديث باسمهم في المحافل الدولية ، لكن سلطات الاحتلال قامت باعتقاله ونفيه إلى جزيرة مالطا . كان اعتقال سعد زغلول هو المفجر لأول ثورة شعبية في تاريخ مصر الحديث ، ففي يوم 9/3/1919 أشعل طلاب جامعة القاهرة المظاهرات التي امتدت لتشمل كل طلاب مصر بما فيهم طلاب الأزهر الشريف ، وفي غضون أيام قليلة كانت الثورة تشتعل بطول البلاد وعرضها وشاركت فيها جميع فئات الشعب من عمال الترام والسكك الحديدية والبريد والكهرباء والجمارك والمطابع والورش وسائقي التاكسي والفلاحين والبدو ، وفي بلدنا الأم قام الأهالي والفلاحون بمهاجمة قطار يحمل جنودا إنجليز في ملحمة قتالية رائعة ، واعلم يا ولدي ، أن ثورة الشعب هذه لم تفشل تماما ، فبالرغم من أن الاحتلال عمل على إفشالها بالقمع والتهديد بالإعدام وإحراق القرى ، إلا أن إنجلترا اضطرت تحت الضغط الشعبي أن تحقق بعض مطالب الثوار التي تمثلت في تصريح 28/2/1922 بإلغاء الحماية البريطانية على مصر وإعلان مصر دولة مستقلة ، ثم صدور أول دستور مصري في عام 1923 تلاه تشكيل الوزارة برئاسة الثائر الأعظم سعد باشا زغلول في عام 1924 .
اسمع يا ولدي ، توالت الأيام على مصر حتى عام 1936 الذي عقدت فيه معاهدة سميث التي أعطت الاحتلال صفة شرعية ولم تحقق الاستقلال والسيادة الحقيقية ، ووصل الملك فاروق إلى عرش مصر في عام 1937 بادئا عهده بإقالة الوزارة المنتخبة عاصفا بإرادة الشعب والدستور ، في هذا الزمن يا ولدي أُعلِنت الأحكام العرفية ( المبتلى بها شعب مصر حتى يومنا هذا ) فقُيدت الحريات وفُرضت الرقابة على الصحف ( لم يكن هناك إعلام بالمعنى المعروف حاليا ) ، وتعرض الشعب لضغوط هائلة من حكامه ، وأثقل الغلاء كواهل الشباب وسد أمامهم سبل الطموح إلى مستقبل أفضل ، وانتشرت البطالة بين مختلف الفئات من العمال وخريجي الجامعات الذين كانوا يحصلون على فرصة عمل بصعوبة بالغة ، ومع الحرب العالمية الثانية بلغ الفقر مبلغه مما أدى إلى خروج المظاهرات في شوارع القاهرة بسبب ما عُرف وقتها بأزمة التموين ، بعد هذه الحرب يا ولدي تجبر الساسة على الشعب وازداد الفساد وانتشرت الرشوة وتدخلت بطانة الملك في كل مناحي الحياة وعاثوا فيها فسادا ، وكان كثير من تصرفات الملك الشخصية يؤذي مشاعر عامة الشعب ، كل هذا يا ولدي أدى إلى زيادة سخط الشعب على الاستعمار وسراي الحكم ومظاهر الفساد التي عمت البلاد وبدأ الشعب في الغليان وراح يضغط بقوة في اتجاه الحرية بالمظاهرات والإضرابات أحيانا وبأقلام الكتاب الأحرار أحيانا أخرى وبجانب هؤلاء تشكلت مجموعات ضغط أخرى .
اسمع يا ولدي ، في ذلك الوقت أيضا كانت مصر بلدا زراعيا يعتمد اقتصاده على الزراعة وتصنيع منتجاتها ، لكن خيراتها كانت بعيدة عن أيدي زُرَّاعها وصُنَّاعها ، كان الفلاح أجيرا يزرع القمح ولا يأكله ويزرع القطن ولا يلبسه ، فالأرض يا ولدي يملكها مُلاَّكٌ كبار وكل مساحة الأرض الصالحة للزراعة يملكها عدد قليل من الباشاوات وحاشية الملك ، وبقية الشعب يتضور فقرا وجوعا . أما عن السياسة يا ولدي ، فقد كان الاستقلال هو الشغل الشاغل لأجدادك العظام ، كانوا يحملون أوراق قضيتهم ويذهبون في كل اتجاه يأملون فيه حلا ، ذهبوا إلى مجلس الأمن وذهبوا إلى شرفاء أوربا خاصة في فرنسا ، كل هذا لم يُجْدِ نفعا ، فتحرك الشعب وانفجرت المظاهرات وأضرب العمال واشتعلت مصر بالحركات الوطنية ، وتزامن هذا مع دخول مصر في حرب 1948 بعد قرار تقسيم فلسطين ( وهذه يا ولدي قصة أخرى ) التي انتهت بهزيمة الجيوش العربية ضعيفة التسليح ، أدى هذا كله يا ولدي إلى أن يركز الشعب سخطه ونقمته على الملك وحاشيته وعلى الأحزاب التي صادرت حرياته وقمعته .
اسمع يا ولدي ، كل ما سبق أدى إلى أن جمع حبُّ الوطن والرغبة في التحرر من ربقة الاستعمار وسطوة الحكام إلى أن ألَّف الله بين قلوب مجموعة من ضباط الجيش المصري الوطني الحر ، كان لهؤلاء اتجاهات وميول سياسية مختلفة لكن يجمعهم حبُّ الوطن وكراهية الاحتلال والفساد ، تزايد عدد هذه المجموعة واكتمل لها الشكل التنظيمي في عام 1950 وصدر عن هذا التنظيم أول منشور بتوقيع ( الضباط الأحرار ) ، ثم توالت منشوراتهم التي حملت أهداف الثورة الستة . كنت قد حدثتك يا ولدي في البداية عن حريق القاهرة ، ذلك الحريق المروع الذي قامت في أعقابه المظاهرات الشعبية منادية بسقوط الملك ونظامه الملكي وقد أمر الملك بنزول الجيش إلى الشوارع لقمع المظاهرات ، لكن مجموعة الضباط الأحرار الذين كان يقودهم رجل وطني تبدو عليه أمارات الزعامة والريادة الثورية ، ذلك هو الزعيم جمال عبد الناصر ، وزعوا منشورا يطالب الجيش ألا يكون أداة في يد الطاغية وأن الجيش لن يقمع الشعب لصالحه كما أكد التحام الجيش مع الشعب . في هذا الوقت لم تكن المجموعة قد حددت موعدا للثورة ، إلا أن حريق القاهرة ومحاولة الملك قمع المظاهرات وتغير الظروف السياسية بشكل سريع وعِلْم السراي بوجود تنظيم الضباط الأحرار عجل بموعد قيام الثورة .
اسمع يا ولدي ، كان الصدام حتميا بين هذه المجموعة وبين الملك ، وتأكدت حتميته عندما قرر فاروق حل مجلس إدارة نادي الضباط ، فكان أن قرر الضباط الأحرار أن يكون منتصف ليل 22-23 يوليو هو ساعة الصفر للخطة ( نصر ) . اعلم يا ولدي أن هؤلاء الضباط الثوار الأحرار قد وضعوا رقابهم على أكفهم وهم يعلمون أنهم ذاهبون إلى حتفهم إن لم يتحقق لهم النصر ، فقد قسَّموا أنفسهم لمجموعات تذهب كل منها في اتجاه ، ذهب بعضهم إلى مركز القيادة ، وآخرون إلى الإذاعة ( لم يكن هناك تليفزيون في هذا الوقت ) وسيطروا عليها وذهبت مجموعة لمحاصرة قصر الملك ، ثم أعلن أحد أبطال الضباط الأحرار ( الرئيس الشهيد فيما بعد أنور السادات ) أن الجيش المصري قد انتفض على الظلم والطغيان والفساد في أول بيان للثورة . وقد استقبل الشعب هذه الثورة بفرح وبشر وقد شعر أن الحركة ليست لصالح الجيش فقط ، بل لحسابه وصالحه أيضا ، ومن هنا انضم الشعب إلى الضباط الأحرار الذين يمثلون الجيش ، فقد كان هذا انقلابا عسكريا بطعم الثورة فآزره الشعب وأيَّده فأصبح ثورة عسكرية شعبية حررت الوطن من الاحتلال ومن فساد الطاغية .
اسمع يا ولدي ، استقرت الأمور للثوار بعد ذلك ، فقد تم طرد الاحتلال البريطاني ورحل الملك وتم إلغاء الملكية وإعلان مصر دولة جمهورية ، ثم جاء محمد نجيب كأول رئيس لمصر ولم يبق في الحكم إلا فترة وجيزة ، بعدها اعتلى جمال عبد الناصر سُدة الحكم وهو الذي يعتبر زعيما وطنيا بحق ، أصاب كثيرا وأخطأ قليلا ، وإن كانت أخطاؤه شديدة الوطء إلا أنه كان الرجل الثاني الذي أحب مصر بعد محمد علي باشا ، حققت الثورة أهم أهدافها فقد قضت على الإقطاع والاستعمار وأقامت العدالة الاجتماعية ، وفي عهد الزعيم عبد الناصر تغير وجه الحياة في مصر ، فقد تحسن التعليم إلى حد كبير والتحقت به الطبقات الفقيرة وأنشِئت الصناعات الثقيلة التي أتاحت فرص العمل لأعداد كبيرة من أبناء الشعب ، وازدهرت الفنون والثقافة ، وفي زمنه أيضا احتلت مصر مكانة رفيعة بين الأمم وخاصة في الوطن العربي . وانتقل الزعيم إلى خالقه ليجيء من بعده بطل آخر من أبطال يوليو أصاب كثيرا وأخطأ قليلا ، ذلك الرجل الثالث في سلسلة من أحبوا مصر ، إنه البطل الشهيد محمد أنور السادات ، البطل صاحب قرار حرب 6 أكتوبر 1973 ، البطل الذي عبر بمصر من هزيمة قاسية إلى نصر مؤزر استعاد به كامل تراب الوطن ، ثم كان صاحب قرار السلام الذي عصم دماء المصريين ، واعلم يا ولدي أن هؤلاء الثلاثة العظام لم يكونوا وحدهم على طريق البطولة والفداء ، بل كان معهم وحولهم أبطال آخرون يحبون هذا البلد الوطن ويقدمون له أرواحهم فداء لشعبه .
اسمع يا ولدي ، في يوم عيده يُستسهد البطل ، ويرحل عنا تاركا لنا نائبه النائبة الكبرى التي حلت علينا وعلى بلدنا ، كان ذلك في شهر أكتوبر من عام 1981 حيث اغتالت يد الغدر الرئيس محمد أنور السادات ، كان نائب الرئيس في ذلك الوقت رجل اسمه محمد حسني مبارك ، لم يكن له من دور سوى حضور لقاءات ومقابلات الرئيس الشهيد مع زعماء وقادة الدول والمسئولين العرب والأجانب ، حتى أننا يا ولدي كنا نتندر عليه بمقولة ( حسني حضر المقابلة ) وهي العبارة التي كانت تتردد على لسان الرئيس السادات كلما تم لقاء مع واحد ممن ذكرتُهم ، كان هذا الرجل هو قائد سلاح الطيران أثناء حرب أكتوبر المجيدة أحد أسلحة الجيش المصري العديدة ، يبدو أنه أبلى فيها بلاء حسنا فكافأه الرئيس الشهيد بأن عينه نائبا له ، ثم بعد انتقاله إلى بارئه تم نقل السلطة إلى نائبه حسني مبارك ، في البداية يا ولدي استبشر المصريون خيرا لما وجدوه منه ، فقد أفرج عن مباشرة عن المعتقلين السياسيين والتقى بالمثقفين من فنانين وأدباء وبعض أقطاب المعارضة ، بالإضافة إلى بعض التصريحات العاطفية مثل ( الكفن مالوش جيوب ) وغيرها من العبارات التي تلقى استحسانا وتجاوبا لدى الشعب المصري العاطفي بفطرته ، لكن يا ولدي سرعان ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .
اسمع يا ولدي ، مرت فترة قصيرة من بداية حكم الرئيس الرابع – الذي لم يكن أبدا حلقة في سلسلة الزعماء الذين أحبوا هذا البلد – في هدوء نسبي سرعان ما تحول إلى سلسلة من التخبط السياسي والاقتصادي ، فقد تحول نظام الانفتاح الاقتصادي إلى ما أُطلق عليه تندرا انفتاح السداح مداح الذي أدى إلى مجموعة من الكوارث الاقتصادية ، وتحول الاقتصاد المصري من اقتصاد إنتاجي إلى استهلاكي تجاري وعملت حكوماته المتتابعة على بيع القلاع الصناعية التي أنشأها خالد الذكر جمال عبد الناصر في ستينات القرن الماضي إلى شركات القطاع الخاص بما شاب صفقات البيع من فساد وسرقات ورشاوى ، هذا بالإضافة إلى انحدار كل مقومات الحياة الذي أدى إلى زيادة أعداد الفقراء حتى وصلت نسبتهم عند سقوطه إلى 40% من الشعب المصري ، لقد كانت فترة حكمه يا ولدي وبالا على مصر والمصريين ، فانهار التعليم إلى حد غير مسبوق ، وتدنت الخدمات الصحية حتى أن المرضى كانوا يموتون على أعتاب المستشفيات ، وانتشرت البطالة بين الشباب وارتفع سن الزواج مما أدى إلى انتشار ظاهرة العنوسة ، كل هذا يا ولدي وغيره كثير أدى إلى تدني المستوى الأخلاقي لدى الناس ، فانتشر الفساد والرشوة بين العامة، وضاقت نفوس الناس بما يحيق بهم من حكامهم فراحوا ينفسون عن غضبهم بينهم .
اسمع يا ولدي ، أما عن السياسة فحدث ولا حرج ، كان كل القصيدة كفرا ، فقد عمل الطاغية جاهدا على إهدار مكانة مصر في الداخل والخارج ، وكان لانبطاحه ورضوخه للسياسات الأمريكية والصهيونية أثره الكبير على مكانة مصر في محيطها العربي والإقليمي ، فقد سقطت هيبة مصر بين الصغار والكبار على السواء ، ولم تعد للمصري كرامة في أي مكان يذهب إليه ، كيف يكون هذا وقد أُهدرت كرامته في بلده على أيدي الطاغية وزبانيته .
اسمع يا ولدي ، لقد عمل الطاغية ما وسعه الجهد على إهدار كرامة الشعب ، فقانون الطوارئ معلن منذ احتلاله عرش مصر ، والحريات السياسية تم كبتها ، والمعارضة تم استئناسها بالترغيب أو الترهيب ، حرية الرأي والفكر أُهدرت وقُمعت ، لا حرية صحافة ولا إعلام ، لا حريات خاصة ، الجميع مراقبون ، انزوى المفكرون تاركين الساحة لصحافة وإعلام حكومي لا صنعة له إلا تمجيد الطاغية خوفا أو طمعا . ثم كانت الطامة الكبرى في بدايات التسعينات من القرن الماضي بظهور الابن الأصغر للطاغية وبزوغ نجمه ، هذا الابن الذي راح يتسلل ويغوص في الحياة السياسية دون أي سند من قانون ، راح يهيمن على الحزب الحاكم وعلى مراكز صناعة القرار بكافة الأساليب والوسائل إلى أن راوده حُلْمُ حكم مصر وبدا في الأفق ما عرف بمشروع التوريث ، توريث الحكم الجمهوري ، مشروع أراد أن يعيد مصر مرة أخرى إلى حكم ملكي غير معلن ، فكانت الفكرة وبالا عليه وعلى أبيه .
اسمع يا ولدي ، في هذه الأثناء لم تخل مصر من الوطنيين الشرفاء الأحرار ، بل كانت تزخر بكثير منهم ، كانوا يملأون الدنيا بأصواتهم وأقلامهم ، كانت مظاهرات الطلبة تخرج من الجامعات ويتم قمعهم فيعاودون الكرة ، كانت النقابات تمور بالغضب خاصة نقابات الرأي كالمحامين والصحفيين ، حتى أن القضاة قد فاض بهم الكيل وخرجوا إلى الشارع في وقفات احتجاجية غير مسبوقة في تاريخ القضاء المصري ، ولا ننسى نقابات العمال واعتصاماتهم المتكررة ، وفي عام 2004 خرجت إلى النور حركة قوية أقضت مضاجع الطغاة هي الحركة التي أطلقت على نفسها ( حركة كفاية ) كونها نساء ورجال من خيرة عقول مصر وكان على رأسها المفكر العظيم الدكتور عبد الوهاب المسيري ، وفي عام 2008 تأسست حركة شبابية أطلقت على نفسها ( حركة شباب 6 أبريل ) تزامنا مع إضراب عمال المحلة الذي كان أول عصيان مدني ثوري ضد نظام الطاغية ، هذه الحركة التي حاول الطاغية سحقها بالاعتقال والتنكيل ولم يفلح ، كانت هاتان الحركتان يا ولدي هما نواة الثورة القادمة ، وسرعان ما تحركت جموع المفكرين والمثقفين لدعمهما بالكتابة على صفحات الصحف المستقلة والحديث في برامج الفضائيات والتظاهر والاعتصام ، هؤلاء يا ولدي لم تُجْدِ معهم كل مظاهر القمع الفاجر من اعتقال وتلفيق اتهامات كاذبة وإغلاق صحف ومحطات تليفزيونية وتهميش الشباب واتهامهم بالتفاهة .
اسمع يا ولدي ، لقد كانت الانتخابات البرلمانية المزورة بوقاحة في عام 2010 بمثابة المسمار الأخير في نعش الطاغية ، فقد تم تزوير الانتخابات بشكل فج لم يعد لدى الأحرار طاقة على احتماله ، حيث حصل الحزب المنحل ( كانوا يا ولدي يدعونه الحزب الوطني الديمقراطي ولم يكن له من اسمه أي نصيب ) حصل هذا الحزب على نسبة 98% من أصوات الناخبين بالتزوير ، فما كان من الأحرار إلا أن شكلوا فيما بينهم برلمانا شعبيا فإذا بالطاغية يخرج علينا ساخرا منهم قائلا عبارته السمجة (خليهم يتسلوا) ، مما زاد من غليان الشارع والنخبة معا . لم يدرك الطاغية أنه كان كلما خرج على الناس بكلماته السخيفة فإنه يزيد من حنقهم عليه ، وأنه يسكب مزيدا من الزيت على النار الخابية تحت الرماد .
اسمع يا ولدي ، في هذه الأثناء كان شباب هذه الأمة يعاني الأمرين من التجهيل والتهميش والاتهام بالتفاهة والجهل بشئون الحياة ، كانت أفاعي الحكم ترمي الشباب بكل نقيصة ، لكن يا ولدي كان للشباب رأي آخر وسلوك مختلف ، فقد تنادوا إلى الفداء عقب اغتيال شاب في ريعان الشباب في مدينة الإسكندرية هو الفتى الطاهر خالد سعيد الذي اغتاله زبانية شرطة السلطان بيد غادرة ، لقد تنادى شباب مصر عبر الأثير من خلال شبكة الإنترنت الرهيبة أنشأوا شبكات للتواصل بينهم عبر ما يعرف بمواقع التواصل الاجتماعي ، كان الطاغية يرتع في منتجعه الخاص ناسيا أن هناك شعبا يغلي وشارعا يفور ، وكان هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وبوطنهم يعدون العدة لثورة سوف تغير وجه التاريخ في مصر والعالم ، وقد حددوا لها يوم الخامس والعشرين من يناير الذي تحول من ذكرى طيبة للفخار بشرطة ذادت عن حياض الكرامة الوطنية في وجه المحتل بمدينة الإسماعيلية إلى يوم يجسد قهر الشرطة للشعب بأمر السلطان الجائر .
اسمع يا ولدي ، لقد خرج شباب مصر عن بكرة أبيهم في كل محافظات مصر إلى ميادين الحرية وكان رمزهم ميدان التحرير بقلب القاهرة عاصمة الدنيا ، بدأت المظاهرات بوقفة من عدد محدود أمام دار القضاء العالي قلعة الحرية في وسط المدينة ، وسرعان ما تدفق الشباب إلى الميدان من كل حدب وصوب كانوا يا ولدي يحملون الزهور والورود ليهدوها إلى جلاديهم في يوم عيدهم هاتفين بلسان واحد وقلب واحد ( سلمية سلمية ) ، امتلأ الميدان وفاض ، وامتلأت ميادين الحرية في ربوع مصر بثوارها ، لكن كان للجلاد منحىً آخر ، حاول الطاغية يا ولدي أن يفرق هؤلاء الثوار العظام الذين التفت حولهم جموع الشعب من كل الفئات والطوائف ، من الأغنياء والفقراء ، المتعلمين والمثقفين والأميين ، العمال والفلاحين لحمايتهم ومؤازرتهم ، وما إن حلَّ الليل حتى هجم الزبانية على الميدان وأسقطوا عشرات الشهداء ومئات المصابين ، لم يَخَفْ الثوار ولم يرتعبوا بل زادهم التنكيل إصرارا على أن ينالوا حريتهم واستمروا في اعتصامهم رافعين سقف مطالبهم من عيش وحرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية إلى الهتاف بسقوط الطاغية ، إلى أن جاء يوم حزين في تاريخ مصر أُطلق عليه جمعة الغضب ، في هذا اليوم يا ولدي عاشت مصر حزينة وفخورة ، في هذا اليوم يا ولدي سقط شهداء الحرية بوفرة كبيرة ، في هذا اليوم يا ولدي انطفأ النور في عيون بريئة ، في هذا اليوم سقط المصابون بالآلاف ، كان هؤلاء الشباب هم مدعاة فخر لنا نحن الآباء الذين لم نتمكن من الموت معهم .
اسمع يا ولدي ، كل ما لاقاه هؤلاء الثوار من تنكيل وقتل بين صفوفهم لم يَفُتْ في عضدهم ، لم يتسرب اليأس إلى قلوبهم الخضراء ، بل استمروا في الميادين إلى أن حلَّ عليهم يوم حزين آخر في اليوم الثاني من فبراير في موقعة رهيبة أطلقنا عليها موقعة الجمل ، حيث هاجمت الثوار جحافل غاشمة من عصابات الطاغية راكبين الجمال والخيل محدثين ذعرا شديدا بين الثوار ما بين ضربهم بالسياط وإلقاء الزجاجات الحارقة عليهم وضربهم بالرصاص الحي ، وينتهي اليوم بمزيد من الشهداء والمصابين ومزيد من العزم والإصرار على استكمال ما بدأوه لتحقيق الهدف الأسمى بإسقاط الطاغية ، ويظل الثوار على ثباتهم واعتصامهم في كل ميادين الحرية في مصر ، يستمر اعتصامهم وإصرارهم رغم كل الحيل والألاعيب التي مارسها الطاغية ، لقد ظلوا في الميادين يا ولدي ثمانية عشر يوما معتصمين بحبل الله وحب الوطن واضعين نصب أعينهم دماء شهدائهم طالبين ثأرهم ولن يكون الثمن إلا سقوط الطاغية . لقد كان نشيدهم يا ولدي كلمات الثائر القديم الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي ( إذا الشعب يوما أراد الحياة .. فلابد أن يستجيب القدر ) ، وقد أراد هؤلاء الشباب ومعهم جموع الشعب الحياة فاستجاب القدر وسقط الطاغية في اليوم الثامن عشر لانطلاق ثورتهم المجيدة الموافق لليوم الحادي عشر من شهر فبراير من عام 2011 .
اسمع يا ولدي ، كان هذا هو الفصل الأول من الحكاية ، حكاية الثورة وفي يوم آخر قد أقص عليك بقية الحكاية ، وهذه كلماتي الأخيرة في هذا الفصل ، لقد ثار هؤلاء الشباب من أجل أن تحيا أنت وجيلك حياة حرة كريمة ، عندما تكبر يا ولدي وتشب عن الطوق وتفهم وتعي هذه الحكاية ، سيكون وجه العالم قد تغير بسبب هذه الثورة المجيدة ، سوف تُدَرَّس هذه الثورة في معاهد العالم كما تُدَرَّس الآن حرب أكتوبر العظيمة في المعاهد العسكرية حول العالم . افخر يا ولدي ببلدك واعتز بآبائك الثوار ما وسعك الفخار .
6/12/2011
ملحوظة :
أنصحك يا ولدي أن تقرأ تاريخ بلدك جيدا ، ما كتبته تلخيص قد يكون مخلا بكل معاني العزة والكرامة في هذا البلد .. عليك يا ولدي أن ترجع إلى كتب التاريخ لتعرف كم هي عظيمة بلادك ولتعرف كم هم عظماء أجدادك وآباؤك .. لتعرف كم فعلوا وماذا قدموا لك لتحيا حياة حرة كريمة ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق